ثالثا: أن الصهيونية العالمية تبغض الدولة العثمانية بغضا خاصا لأن السلطان عبد الحميد رفض إعطاء اليهود وطنا قوميا في فلسطين على الرغم من كل الإغراءات التي قدمها له هرتزل وغيره من الصهيونيين، لذلك قرروا الإجهاز على الدولة بالتعاون مع الصليبية العالمية [كما سيأتي بيانه في الفصل القادم] ولكن حقدهم ظل يطفح في كتاباتهم عن الخلافة العثمانية، فالتقت شهوة الصليبية العالمية مع الضهيونية العالمية في تشويه صورة الخلافة العثمانية، وكتبوا عنها في مراجهم التاريخية أسوأ ما يمكن أن يكتب عن أي فترة من تاريخ العالم! وتلك هي المراجع التي ينقل عنها معظم المؤرخين العرب .. إلا من رحم ربك!
رابعا: أن المخطط الصليبي الصهيوني كانت له مصلحة قوية في تفتيت الدولة العثمانية والعالم الإسلامي، حتى يستطيعوا أن يبتلعوا أجزاءه المتفرقة لقمة بعد لقمة بعد أن عجزوا عن مواجهة الدولة والتغلب عليها مجتمعة، لذلك سعوا بكل الوسائل إلى إثارة الكراهية الشديدة ضد العثمانيين في المنطقة العربية خاصة لتنسلخ عن الدولة العثمانية، وشجعوا تلك الكراهية بكل الوسائل بما في ذلك التشنيع بالحق والباطل على العثمانيين والحكم العثماني. ثم جعلوا تلك الكراهية التي أثاروها بأنفسهم (عن طريق نصارى لبنان وسوريا أولا، ثم بواسطة لورنس بعد ذلك) [1] جزءا من التاريخ، كأنما حدثت من تلقاء نفسها بغير تحريض! ثم عادوا يستغلونها في التشنيع على الدولة العثمانية!
خامسا: أنهم كانوا يعتزمون [كما سيأتي بيانه] إزالة الحكم الإسلامي من الأرض، باعتباره العقبة الكبرى في سبيل تمكين أقدامهم في العالم الإسلامي، فكان لازما لهم تشويه صورته في نفوس المسلمين وتكريههم فيه، ليسهل عليهم اقتلاعه. لذلك سعوا إلى تشويه التاريخ الإسلامي كله، ولكنهم ركزوا بصفة خاصة على الحكم العثماني -حتى بعد أن أسقطوه بالفعل- وضخموا سيئاته حتى جعلوه كله سيئات لينفروا الناس من الحكم الإسلامي عامة. وظل دعاتهم وعملاؤهم -كلما حن المسلمون للحكم الإسلامي الشرعي- يقولون لهم: هل نسيتم الحكم العثماني ومظالمه؟ هذا هو الحكم الإسلامي إن كنتم تريدون!
لهذه الأسباب مجتمعة عمدت الصليبية الصهيونية إلى وضع أكبر قسط ممكن من التشويه في صورة الحكم العثماني، مستغلين ما وقع بالفعل من هذا الحكم من مظالم وأخطاء وانحرافات، جسموها وكبّروها لتبدو هائلة مريعة ممقوتة، حتى يضمنوا ألا يحن المسلمون أبدًا للعودة إلى الحكم الإسلامي، ما دامت آخر صورة له هي تلك الصروة الكريهة الممقوتة!
وينبغي أن يعرف الدارس هذه الحقائق قبل أن يدخل في تفصيلات الحكم العثماني ليعلم -مقدما- أنه سيواجه حملة مدبرة ضد هذا الحكم، ذات أهداف واضحة منذ البدء.
وليست بنا رغبة على الإطلاق في الدفاع عن مظالم العهد العثماني وأخطائه وانحرافاته، بل ينبغي دراستها والتركيز عليها بنفس الصورة وبنفس الروح التي أبرزنا بها انحرافات العهد الأموي والعهد العباسي. ولكن علينا في الوقت ذاته أن نلتزم بالحقيقة الموضوعية، ولا نلجأ إلى التشنيع المغرض، انسياقا وراء المراجع الأوربية، الصليبية الصهيونية، أو انسياقا وراء الكراهية التي أثارها أولئك الأعداء في نفوسنا ضد الحكم العثماني.
وحين نلتزم ذلك ستتضح لنا الحقائق التالية من الجانبين: جانب المزايا وجانب العيوب.
أولا: أن العثمانيين كانوا دما جديدًا بالنسبة للواقع الإسلامي المتفكك المترهل الذي أوصل العباسيون إليه المجتمع في نهاية أيامهم. فبعثوا فيه القوة من جديد، وأعادوا إليه جديته، وحوّلوه من عجزه وبأسه إلى قوة مقتحمة، تصنع الأمجاد، وتثير الاعتزاز في نفوس المسلمين (وقد ظل المسلمون يعتزون بدولة الخلافة العثمانية حتى آخر أيامها) .
ثانيا: أنهم كانوا عبقرية حربية فذة، وعبقرية سياسية كذلك، دوخت أوربا الصليبية في مناوراتها معها عدة قرون.
ثالثا: أن هذه المقدرة العسكرية الفائقة التي كانت تمتلكها الدولة العثمانية قد أرهبت أوربا زمنا طويلا، وزجرتها عن محاولة احتلال العالم الإسلامي من جديد، لمدة أربعة قرون على الأقل، وهذا وحده حسبها عند الله وعند الناس. وقد رأى الناس -حتى الكارهون منهم للحكم العثماني- ما نال العالم الإسلامي من الهوان والذل والضياع بعد زوال دولة الخلافة، ورأوا بصفة خاصة كيف اقتطعت فلسطين -الأرض المقدسة- من العالم الإسلامي، وأعطيت لليهود.
رابعا: أنهم كانوا مخلصين للإسلام، راغبين في نشره وجعله ذا سلطان في الأرض، واهبين قوتهم كلها لعزته ونصرته.
خامسا: أنهم حفظوا وحدة العالم الإسلامي من التفكك عدة قرون، وأنه بزوالهم انفرط عقد العالم الإسلامي بصورة ليس لها مثيل من قبل، وأصبح نهبا للتيارات المختلفة، تتناوشه من الداخل والخارج، وتسلمه إلى التيه.
تلك كلها حسنات يغفلها"المؤرخون العرب"الذين يتأثرون بالمراجع الصليبية الصهيونية، أو يتأثرون بالكره الذي أثاروه في العرب ضد الحكم العثماني. بل يصل الأمر من السوء إلى حد بالغ حين يكتب أولئك"المرخون"بخط أيديهم، أو يُجْرون على ألسنتهم تلك الكلمة المنكرة التي تنكرها
(1) انظر الفصل القادم.