الصفحة 96 من 142

فقد كانت فترة مدّ وانحسار في آن واحد، بصورة لا أعلم إن كان لها مثيل في التاريخ.

مدّ عسكري هائل، مكتسح متفوق، وانحسار فكري وحضاري في ذات الوقت.

قوة عسكرية وسياسية مرهوبة الجانب في العالم أجمع، وفقر في العلم والفقه.

حماسة دينية ملتهبة، وإخلاص متفان في خدمة الإسلام. بغير وعي كاف بحقائقه ومراميه.

ثم كان في النهاية ما كان من انحسار سياسي وعسكري وفكري وعلمي، ما زال العالم الإسلامي يعيش آثاره إلى هذه اللحظة.

وقد وقع في هذا الفترة من الانحرافات والمساوئ والمظالم شيء كثير .. ومع ذلك فالصورة في مجموعها ليست بالسوء الذي صُوّر عن عمد لغاية معينة.

وعلينا -في دراستنا هذه- أن نعيد تقديرنا للأحداث والوقائع لاستخلاص الحقيقة التاريخية، ووزنها بميزان الحق الذي لا يتأثر بالهوى من أي جانبيه: هوى الهجوم والتجريح بغير حق، وهوى الدفاع والتمجيد بغير حق ..

وهناك حقائق ينبغي أن يعلمها الدارس قبل الدخول في التفصيلات، ثم يظل على ذكر منها بعد علمه بالتفصيلات.

أولا: أن العثمانيين هم أبغض المسلمين جميعا إلى أوربا الصليبية، وإن كانت أوربا تكره الإسلام كله وتحقد على المسلمين جميعا. وذلك لأن العثمانيين هم الذين توغلوا بالغزو العسكري في داخل أوربا أكثر مما توغل الفتح العربي، إذ استولوا على البلقان كله، وحاصرت جيوشهم فينا وكادت تستولي عليها (كما حاصرت بطرسبرج عاصمة الإمبراطورية الروسية -لننجراد الآن- وكادت تستولي عليها) . ولا تنسى أوربا أنهم استولوا على القسطنطينية عام 1453م، وهي التي كانت موضع اعتزازهم وفخرهم على مدى قرون طويلة، إذ كانت مركز الإمبراطورية الرومانية الشرقية.

يقول ولفرد كانتول سميث، المستشرق الكندي المعاصر، في كتابه"الإسلام في التاريخ الحديث: Islam in Modern History:"

"إلى أن قام كارل ماركس وقامت الشيوعية كان النبي (صلى الله عليه وسلم) -يقصد الإسلام- هو التحدي الحقيقي الوحيد للحضارة الغربية الذي واجهته في تاريخها كله. وإنه لمن المهم أن نتذكر كم كان هذا التحدي حقيقيا، وكم كان يبدو في وقت من الأوقات تهديدا خطيرا حقا."

"لقد كان الهجوم مباشرا في كلا الميدانين الحربي والعقيدي، وكان قويا جدا .. فقد فقدت المسيحية دفعة واحدة"أجمل مقاطعات الإمبراطورية الرومانية"لتتسلمها منها القوة الجديدة، وكانت في خطر من ضياع الإمبراطورية بكاملها ... وإن وقوع تشيكوسلوفاكيا في قبضة الشيوعية عام 1948 لم يكن له قط في العصر الحديث ذلك الفزع في نفوس الغرب المتهيب، كما كان لذلك الزحف المستمر قرنا بعد قرن، من تلك القوة الضخمة المهددة التي لا تكف ولا تهدأ، ويتكرر انتصارها بعد مرة."

"وكما هو الأمر مع الشيوعية، كذلك كان التهديد والانتصارات (الإسلامية) قائمين في عالم الأفكار أيضا ... وقد عملت العقيدة الجديدة بإصرار على إنكار المبدأ الرئيسي للعقيدة المسيحية التي كانت بالنسبة لأوربا العقيدة السامية التي أخذت -في بطء- تبني حولها حضارتها. وكان التهديد الإسلامي موجها بقوة وعنف، وكان ناجحا مكتسحًا في نصف العالم المسيحي تقريبا. والإسلام هو القوة الإيجابية الوحيد التي انتزعت من المسيحيين أناسا دخلوا في الدين الجديد وآمنوا به .. بعشرات الملايين" [1] .

ولأن العثمانيين كانوا هم الذين قاموا بمعظم ذلك الغزو داخل أوربا، وهم الذين استولوا على القسطنطينية، فأوربا تحقد عليهم حقدا صليبيا أعنف وأحدّ من حقدهم الصليبي على بقية المسلمين.

ثانيا: أن العثمانيين مبغوضون من أوربا الصليبية لسبب آخر، فحين انحسر المد الإسلامي العربي عن أوربا بسقوط آخر دويلة إسلامية في الأندلس عام 1492م، بدأ التحفز الصليبي لغزو بقية العالم الإسلامي [كما سيأتي بيانه في الفصل القادم] وجرى لعابهم في شهوة محمومة للقضاء على الإسلام. ولكن القوة العسكرية للدولة العثمانية أفزعتهم، فلم يستطيعوا النفاذ إلى العالم الإسلامي من جهة الشرق للاستيلاء على بيت المقدس كما صنعوا في الحروب الصليبية الأولى، واحتاجوا إلى الدوران البطيء من جهة الغرب. ثم إنهم بدلا من تحقيق أحلامهم في شن حرب صليبية شاملة، وجدوا الجيوش الإسلامية العثمانية هي التي تغزو ديارهم في أوربا ذاتها، وتعطل إتمام الغزوة الصليبية في واقع الأمر عدة قرون، حتى ضعفت الخلافة العثمانية واستطاعوا إسقاطها .. لذلك يشتد حقدهم عليها.

(1) ولفرد كانتول سميث، الإسلام في التاريخ الحديث، طبعة أكسفورد، الطبعة الرابعة سنة 1966، ص105، 106 من الأصل الإنجليزي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت