الصفحة 95 من 142

كان التتار فرسانا ورماة ماهرين بدرجة غير عادية. فالطفل منهم يدرب على القفز على أظهر الخيل وهو بعد في سن اللهو. ويدرب كذلك على الرمي .. ولم يستطع جيش واحد، ولا قوة واحدة في هذا المشوار الطويل أن تقفهم أو تضعف من قوتهم حتى وصلوا إلى الشام واجتاحوها. ولكي يدرك الدارس الرعب الذي أصاب العالم كله من زحف التتار المدمر، فليعلم أن في أمثال الفلنديين في تلك الفترة قول الأمهات: لا تتركي طفلك في الشارع بعد الغروب لئلا يخطفه التتار. ولينظر في الخريطة ليرى أين فنلندا من آخر مكان وصل إليه التتار!

وكان المسلمون في ذات الغاشية التي دهمهم بها الصليبيون، فلم يفيقوا إلا على الضربة القاضية التي قضت على الخلافة العباسية بغير رجعة!

ولكن الدرس هو الدرس!

حين جاء القائد الذي أيقظ وجدان الناس بصيحته الشهيرة:"وا إسلاماه!".. عندئذ انتصر الإسلام!

لقد قام قطز بمثل الدور الذي قام به صلاح الدين. عرف الحقيقة وأعلنها للناس. لقد انهزم المسلمون أمام التتار لتهاونهم في أمر دينهم. فليستمسكوا بهذا الدين. والله منفذ وعده الذي وعد:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [1] .

(وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [2] .

وكانت صيحة واحدة صادقة، وكانت وقعة واحدة صادقة، في يوم واحد من عمر الزمن الهائل انقلبت فيه الأوضاع وآذن نصر الله. وعزّ المسلمون بعد أن كان التتري يلقي المسلم في بغداد وليس معه سيفه، فيقول للمسلم: ابق مكانك حتى أحضر السيف لأقتلك! فيبقى المسلم جامدًا في مكانه حتى يأتي التتري بسيفه ويقتله!

عز المسلمون .. وحدث ما هو أعظم من ذلك ..

فهؤلاء التتار الذين لم يهزموا من قبل في رحلتهم المدمرة من غرب الصين إلى عين جالوت، ولم يقف أحد أمام موكبهم الرهيب، قد أذهلتهم صدمة الهزيمة، وراحوا في ذهولهم يتساءلون عن سر هزيمتهم، وعن سر انتصار هؤلاء عليهم .. فعرفوا أنه الإسلام! ومنذئذ بدأوا يدخلون في الدين الجديد، حتى صاروا -بعد أن تمكن الدين من قلوبهم -حماته المجاهدين، بعد أن كانوا أعداءه المخربين!

والآن ينبغي لنا أن نراجع الحصيلة النهائية للفترة العباسية كما صنعنا مع الفترة الأموية.

لقد رأينا أن خط الانحراف الذي بدأ مع الأمويين قد زاد انحرافا، وأضيفت إليه انحرافات جديدة. وأن الحكومة والمجتمع كليهما زادا بعدا عن الإسلام بدرجات متفاوتة. وأن هذا كله قد أدى إلى مصيره الحتمي بالنسبة للحكومة والمجتمع حسب سنة الله، فزالت الحكومة العباسية زوالا كاملا من الوجود، وأصاب المجتمع ما أصابه من الجراح.

ولكن الإسلام ذاته لم يكن قد زال من الوجود ..

إنما كانت الدولة العباسية في بغداد (والدولة الإسلامية في الأندلس) فروعا في الشجرة، جفت فماتت وسقطت. ولكن الشجرة ذاتها كانت ما تزال حية الجذور، قادرة على إنماء فروع جديدة بدلا من التالفة .. وهكذا ولدت الدولة العثمانية الفتية التي ملأت الساحة لعدة قرون، وشملت رقعة واسعة من الأرض، وخاضت وقائع كثيرة مع الأعداء.

والفترة العثمانية في حاجة إلى عناية خاصة في دراستها، لكثرة ما شُوه -عمدا- من حقيقتها، وكثرة ما ألصق بها من اتهامات.

إنها فترة عجيبة حقا، حوت كثيرا من المتناقضات.

(1) سورة النور: 55.

(2) سورة الروم: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت