الصفحة 94 من 142

الصالح [1] ، ثم أكمل رحلته إلى جزر الهند الشرقية [2] بقيادة البحار العربي المسلم"ابن ماجد" [3] ، قال عند وصوله إلى جزر الهند الشرقية تلك القولة ذات الدلالة الصليبية الواضحة: الآن طوقنا رقبة الإسلام، ولم يبق إلا جذب الحبل فيختنق ويموت. ولم يقل الآن عثرنا على الثروة التي نحلم بها في بلاد الشرق! وماجلان الذي قام برحلته"الاستكشافية!"إلى الفلبين -التي كانت أرضا إسلامية- تقدم إلى البابا أربع مرات بطلب أن يسمح له بقيادة حملة عسكرية إلى الفلبين"لضمها إلى الصليب"وظل البابا يرفض طلبه ثلاث مرات لعدم ثقته بقدرته على ذلك، وفي الرابعة أذن له بعد أن أكد له أنه جدير بأن يفعل! ولقد قتله المسلمون حين تجرأ فرفع الصليب على إحدى الجزر الإسلامية .. وندرس نحن لأبنائنا أن"المتبربرين"في تلك الجزر قتلوه لأنهم لم يقدروا رحلته"الاستكشافية"!!

ثم إن"الاستعمار"قد احتل مناطق شاسعة من الأرض في أفريقيا وآسيا مسلمة وغير مسلمة، ومارس استغلاله الاقتصادي فيها جميعا، ولكنه لم يمارس حرب العقيدة إلا في البلاد التي فيها مسلمون، قل أو كثر أولئك المسلمون!

نعم. لقد كانت صليبية مائة في المائة. ولا يتعارض ذلك ولا يتناقض مع طمعهم في كنوز الشرق وخيراته، فذلك حافز إضافي -وليس هو المحرك الأصيل- كما أنه يتحقق تلقائيا بتحقق الهدف الصليبي الأساسي، وهو الاستيلاء على بلاد المسلمين ومحاولة القضاء على الإسلام فيها.

وينبغي أن يكون ذلك واضحا تماما في حس الدارسين، ليستطيعوا أن يفهموا سير المخطط الصليبي الصهيوني في التاريخ الحديث بصفة عامة، وبصفة خاصة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

جاءت الحروب الصليبية والمسلمون في غفلة تامة بسبب الحال التي كانوا عليها من التفكك والنزاع والترهل والمشغلة بمتاع الحياة الدنيا، أو الزهد السلبي الذي لا يغيّر الواقع المنحرف بل يمكّن له في الحقيقة. وبسبب القعود عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أمرهم الله، وكان أمرًا طبيعيًا أن تحل الهزيمة بالمسلمين.

ولكن الدرس الذي يجب أن نستوعبه بشأن هذه الفترة أن الإسلام لم يكن قد انتهى برغم الانحرافات كلها، إنما كان المسلمون في غفوة -ثقيلة- ولكن الرصيد الحي كان ما يزال باقيا في النفوس، قادرا على العمل والحياة من جديد. فما هي إلا أن زالت الغاشية على الخطر محدق حتى هبّ المسلمون، وعادوا إلى جنديتهم التي رباهم عليها الإسلام في القرون الماضية، وبدأوا يقاتلون قتالهم المشهود .. ثم كانت قمة النصر على يد القائد الملهم الذي لمس الحقيقة وأعلنها للناس كاملة: لقد هزم المسلمون لأنهم بعدوا عن طريق الله. وأن طريق النصر هو العودة إلى الطريق الذي انحرفوا عنه، والاستمساك بأوامر الله. وبذلك كان صلاح الدين زعيما حقيقيا للأمة الإسلامية قبل أن يكون قائدًا حربيًا، وداعية إسلاميا قبل أن يكون واضع خطط للحرب. وبهذا انتصر، وقرر بنصره مصير ما بقي من الحروب الصليبية بعده، التي كانت مجرد استكمال لما كان قد تقرر بالفعل من النصر الحاسم للمسلمين ..

ذلك درس الحروب الصليبية. أما درس التتار فهو يسير على ذات الخط، وينتهي إلى ذات النتيجة ..

خرج التتار في رحلتهم المدمرة من غرب الصين في نَفَس واحد طويل يخرّبون كل ما يجدونه في طريقهم من الحضارات والدول والجيوش، لا يكاد يقف في طريقهم شيء .. وفي الطريق قضوا على ما كان باقيا من الخلافة العباسية في بغداد، وما كان قد بقي إلا هيكل خَرِبٌ لا يصلح للحياة أو البقاء، تناوشه المؤامرات والدسائس والنزاعات والأهواء والمطامع، وتعقد الصفقات مع الأعداء على تخريبه! وفي بغداد أقاموا مذبحتهم الشهيرة التي ذبح فيها مئات الألوف من المسلمين، وجرت مياه النهر فيها أربعين يوما حمراء من كثرة الدم. ودمرت مكتبة بغداد الشهيرة بكل ما حوت من العلم، لتكون جسرا تعبر عليه خيول الجهّال الذين لا يقدّرون علما ولا ثقافة ولا عقيدة ولا حضارة .. هم وخيلهم التي يركبونها سواء! وإن كان مما ينبغي ذكره من الحقائق التاريخية أن يهود بغداد وحدهم هم الذين بقوا آمنين في تلك المذبحة الرهيبة، لأنهم عملوا أدلاّء لجحافل التتار الكافرة، يدلونهم على من اختفى من علماء المسلمين أو تجارهم ليذهبوا إليهم في مخابئهم فيذبحوهم .. وكان هذا هو الجزاء الذي تلقاه المسلمون على التسامح المطلق الذي عاملوا به أولئك اليهود، والتمكين الذي مكنوه لهم في دولتهم .. وهكذا كانت دائما طريقة رد اليهود على جميل المسلمين معهم .. في الأندلس، والشمال الأفريقي .. وأخيرا في فلسطين!

(1) كان المسلمون يعرفون هذا الطريق قبل ذلك بقرون، إذ كانت تجارتهم تمر به في طريقها من الصين شرقا إلى بريطانيا غربا، وكانت لدى المسلمين خرائط ملاحية لإرشاد السفن في تلك الأصقاع الشاسعة.

(2) إندونيسيا الآن.

(3) لا نعلم كيف استدرج ابن ماجد لخدمة ذلك الصليبي الماكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت