وقد كان الترف الذي أصاب الدولة والمجتمع من أشد العوامل التي أدت إلى الانهيار، بالإضافة إلى البدع والمعاصي، والصوفية والتواكل، والانصراف عن جديات الأمور.
ومن عجب أن الباحثين في"الحضارة الإسلامية"من المستشرقين، ومن تبعهم من تلاميذهم من المؤرخين العرب، يقفون طويلا للإشادة بفترات الانحراف في تلك الحضارة .. فترات الترف والانصراف عن جديات الأمور! كأنما"الحضارة"في حسهم هي ذلك الترف المتلف، وهي ذلك الهبوط في القيم الإنسانية الرفيعة!
وذلك انحراف مفهوم في الغرب، وريث الجاهلية الإغريقية الرومانية بما فيها من عبادة الجسد، وتزيين الحياة الدنيا للاستمتاع الحسي بها إلى درجة الاستغراق [1] . أما نحن المسلمين فما بالنا نتابعهم في انحرافهم ذلك، وعندنا مفهومنا الخاص للحضارة، المستمد من مفاهيم هذا الدين، وأوامره ونواهيه؟!
إنه ينبغي لنا أن نعدّل مفاهيمنا في دراستنا للحضارة الإسلامية بما يتناسق مع كوننا مسلمين!
جاء الصليبيون والتتار عقابا ربانيا للأمة على تفريطها في أمر دينها، وانشغالها بغير ما أمرها الله أن تشتغل به من اليقظة الدائمة للأعداء، وإعداد العدة لإعلاء كلمة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله ..
فأما الصليبيون فيجب أن يتذكر الدارس أنهم بدءوا عدوانهم مبكرين جدا، في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فما إن أحست الدولة الرومانية بمولد القوة الجديدة في الجزيرة العربية حتى تحفزت للقضاء عليها، ورفضت الدعوة السلمية التي بعث بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل ليدخل في دين الله، وتحركت بدافع صليبي لمحاولة القضاء على الإسلام، فنشأ الصراع الحربي الذي انتهى بدخول المسلمين الشام ثم آسيا الصغرى، بالإضافة إلى مصر والنوبة وشمال أفريقيا، وإجلاء الرومان عنها .. فزادت الضغينة وتراكمت المرارة في قلوب الصليبيين، فظلوا يتربصون لهذا الدين، يتمنون فرصة مواتية يكرون عليه فيها، ويجلونه عن الأماكن التي فتحها، وفتح قلوب أهلها للحق .. ولكنهم ما كانوا يجرؤون والدولة في قوتها وسطوتها أيام الأمويين وأيام قوة الدولة العباسية.
فلما فشا الترف والترهل، وبدأت قبضة الناس تتراخى عن العروة الوثقى التي أمرهم ربهم ألا يفرطوا فيها، ولا يخلوا قبضتهم منها، وصارت النزاعات والشقاقات هي الأصل في دوائر السلطان، وطمع الولاة في الاستقلال بالحكم، ثم تنازعوا على توسيع الرقعة، واستخدموا جيوش المسلمين في ذلك بدلا من استخدامها في الجهاد في سبيل الله .. لما حدث ذلك حقت عليهم سنة الله:
(وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [2] .
وقام المتربصون، الذين ظل الحقد الأسود يأكل قلوبهم أكثر من أربعة قرون .. قاموا بقيادةا الكنيسة وبزعامة البابا ينادون بالتجمع لقتال المسلمين.
ولقد كانت الحروب الصليبية صليبية مائة بالمائة!
ولا بد أن يدرك الدارسون ذلك في وجه الدعاوي الكاذبة التي تريد أن تخفي حقيقة الحروب الصليبية وتزعم أنها كانت حروبا اقتصادية تغلفت بغلاف الدين!
ومن مصلحة الصليبيين المعاصرين أن يروجوا تلك الأكذوبة ليخفوا وجه الحملة الصليبية الحديثة، التي بدأت منذ استيلائهم على الأندلس، وما تزال عاملة حتى هذه اللحظة، في تحالف كامل مع كل أعداء الإسلام، من صهيونيين أو وثنيين أو فرق ضالة تدعي الإسلام!
أما نحن فمن السذاجة والبلاهة أن نصدق تلك الدعوى الزائفة، فضلا عن أن نروّجها لهم في كتاباتنا وأحاديثنا ومحاضرتنا ودروسنا، فنشرب السم الذي وضعوه لنا، ثم نسقيه للآخرين.
وحين يقول أصحاب هذه الدعاوى: ألم يكن الاستيلاء على خيرات الشرق وكنوزه هدفًا لهم؟ أو لم يستولوا على بلاد غير إسلامية من أجل الاستغلال الاقتصادي؟ نقول: بلى! ولكن ذلك لم يكن حافزهم الأول ولا الوحيد من الحرب ضد الإسلام بالذات، ولم يكن كذلك حافزهم الأول ولا الوحيد من رحلاتهم"الاستكشافية!"التي قاموا بها قبل الغزو المسلح لبلاد المسلمين. ففاسكو داجاما الذي كشف -لأوربا- طريق رأس الرجاء
(1) راجع إن شئت فصل"الجاهلية المعاصرة"من كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر".
(2) سورة الأنفال: 46.