الصفحة 92 من 142

ذلك هو لب الحضارة الإسلامية، الذي تفردت به بين"الحضارات".. والذي ينبغي للدارس أن يركز عليه، لا على أنه فقط جزء من تاريخ هذه الأمة، بل بوصفه رسالة حضارية، مارستها الأمة ذات يوم، ومن مهامها أن تعود إلى ممارستها مرة أخرى، وأن تدعو البشرية كلها -من خلال القدوة العملية والتطبيق العملي- إلى ممارستها من أجل الارتفاع"بالإنسان".

ما يشك أحد في أن هذه الحضارة قد اهتزت مثاليتها من جراء الاستبداد السياسي الذي مارسه الحكام العباسيون فيما عدا من كان منهم -بطبعه- عاد لا يحب الظلم ولا يمارسه. ولكنا نعود إلى الحقيقة التي ذكرناها من قبل، وهي أن فساد الحكام في التاريخ الإسلامي لم يؤد دائما إلى ذات النتائج التي يؤدي إليها في النظم البشرية التي لا تستمد حياتها من عقيدة تربطها بالله، ولا يؤدي الناس فيها التزاماتهم بدافع التقرب إلى الله لا بدافع الخوف من السلطان.

لقد انطلقت الأمة الإسلامية تمارس نشاطها الحضاري -بالمعنى الإسلامي الشامل، الذي يمثل الروح والمادة معًا، والدنيا والآخرة معا، والنشاط العملي والأخلاق معا -بدافع ذاتي من نفسها، لا بدعوة من حكامها، ولا بتأثير أجنبي عنها .. إنما تطبيقا لمفاهيم هذا الدين، الذي هو في حقيقته منهج حياة كامل، يشمل كل شئون الحياة.

وإذا كان النشاط الحضاري للأمة الإسلامية قد تأخ عن فترة التأسيس الأولى، فذلك أمر طبيعي، فقد انقضت الفترة الأولى في ترسيخ القواعد والأسس التي يقوم عليها هذا الدين في داخل النفوس وفي واقع الحياة. ثم بدأت النفوس تنطلق للبناء بعد التأسيس. ولكن الذي نود تقريره أن هذا النشاط الحضاري كان كامنا في الكيان الحي الذي أنشأه الإسلام، كما يكمن البرعم في ساق الشجرة، ثم ينبت ويمتد حين تواتيه الظروف. وأن الجانب المتعلق -بالقيم- من هذه الحضارة قد ولد من أول لحظة مع عقيدة أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وانظر إلى الآيات الأولى من أول سورة أنزلت من القرآن الكريم. إنها تحمل تنديدا ببعض أخلاق الجاهلية، بما يوحي بإبطالها واستبدال أخلاقيات جديدة بها: أخلاقيات لا إله إلا الله:

( .. كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى .. ) [1] .

فالطغيان الناشئ من وهم الاستغناء عن الله هو من أخلاقيات"الحضارات"الجاهلية. يتمثل في عالمنا المعاصر في طغيان الرأسمالية التي تأكل آدمية الفقراء، وكان يتمثل في العالم الشيوعي الذي انهار في طغيان الدولة الذي تستذل به أفراد الشعب، كما يتمثل في طغيان"الدول العظمى!"التي تصنع دستورا لها في ما يسمى"مجلس الأمن!"يسوّغ لها حين يركبها الحق من كل جانب، وتلزمها الحجة من كل وجه، أن ترفع أصبعها فتوقف مجرى العدل في لحظة .. ويسكت الجميع!

ولقد كان التنديد بالطغيان، والتذكير بالله واليوم الآخر هو اللبنة الأولى في الحضارة البديلة .. الحضارة الإسلامية، التي تعبّد الناس لربهم الحق وحده، وتضبط شهواتهم بعقيدة اليوم الآخر والحساب والجزاء .. فيرتفع"الإنسان".

ومن وحي هذا الدين، من وحي أوامره ونواهيه، وتوجيهاته وتحذيراته، ولدت تلك الحضارة الشامخة ميلادًا تلقائيا غير متأثرة بأحد في مولدها التلقائي، وإن استعانت بأدوات مجلوبة من الحضارة الفارسية أو الحضارة البيزنطية رأي المسلمون أنهم في حاجة إليها لعدم وجودها لديهم في تاريخهم السابق قبل الإسلام .. وفرق بين المولد التلقائي وبين استجلاب الأدوات من الغير، يبدو واضحا حين نرى أن"النهضة الأوربية"لم تنشأ تلقائيا، إنما نشأت من احتكاك أوبا بالمسلمين سلما في الأندلس، وحربا في الحروب الصليبية .. فخرجت أوربا عندئذ من قرونها الوسطى المظلمة، ونهضت حين استمدت من المسلمين"إرادة الحياة"فأخذت المولد والأدوات كلتيهما من المسلمين [2] .

ولكن تلك الحضارة الإسلامية الشامخة أخذت تتآكل بعد بضعة قرون من الشموخ، حين تراكمت الانحرافات لا في الدولة الحاكمة وحدها، ولكن في المجتمع كذلك .. فمضت سنة الله:

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [3] .

(1) سورة العلق: 6 - 8.

(2) تلك قضية مهمة تستحق العناية بشرحها والتركيز عليها. فكثيرًا ما يوحي الغرب إلينا في دراساته أن المسلمين تحضروا من أثر الاحتكاك بما كان عند البلاد المفتوحة من الحضارات. وتنشأ هذه المغالطة من الخلط بين الإرادة الدافعة إلى التحضر، وبين الأدوات المستخدمة في عملية التحضر. والأولى هي التي تصنع الحضارة وليست الثانية!

(3) سورة الروم: 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت