الصفحة 91 من 142

إن أول ما يستوقفنا في"المدينة الإسلامية"-قبل مبانيها وطرزها المعمارية وشوارعها وضخامة حجمها وتنظيم مرافقها- أن مركزها الذي تتفرع عنه وتمتد هو المسجد الجامع.

انظر إلى المدينة"المعاصرة"لترى الفرق .. إن مركز المدينة الحديثة هو السوق .. أو هو الملاهي! وذلك يدلك على اتجاه اهتمامات الناس! أو على الوجهة التي يراد للناس أن يوجهوا اهتمامهم إليها!

بينما كان أهل المدينة الإسلامية يبدأون يومهم بالتوجه إلى الله، ثم ينتشرون في الأرض يقضون مصالحهم وهم على ذكر من ربهم الذي بدأوا يومهم بذكره، والذي يعودون إلى ذكره خمس مرات في اليوم والليلة، ولا ينسونه فيما بين ذلك.

وانظر إلى البيت الإسلامي .. إنا أول ما يستوقفنا فيه- قبل طرازه المعماري، ونوع الحجر الذي بني فيه، ونوع الملاط الذي استخدم لربط أحجاره بعضها ببعض، ونوع الزخارف التي استخدمت لتجميله، ونوع الأثاث الذي وضع فيه -أنه بني بطريقة تسمح لأهل البيت من النساء أن يتحركن بحرية ويقضين مصالحهن المنزلية دون أن تقع عليهن عين الأجنبي الذي لا يجوز له شرعا أن يطلع على"الحرم المصون"في داخل البيت. وهو معنى ديني أخلاقي يفتقده"البيت الحديث"الذي تبرز فيه حجرة النوم أقصى ما يتاح لها من البروز، وتتكشف فيه ربة البيت أقصى ما يتاح لها من التكشف!

ثم انظر إلى"التنظيمات"الحضارية الإسلامية ودلالتها ..

إن"ديوان القضاء"إنجاز إسلامي أصيل، وأهم ما فيه حصانة القاضي وعدم تعرضه للعزل بسبب ما يصدر عنه من أحكام قد لا تكون على هوى صاحب السلطان!

و"ديوان الحسبة"إنجاز إسلامي أصيل، لتنفيذ الأمر الرباني- الذي جعل الله فيه خيرية هذه الأمة -وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاطمئنان إلى التزام الناس بالحلال والحرام:

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [1] .

و"ديوان الأوقاف"دليل على ما كان في نفوس الناس من حب للخير، والإنفاق في سبيل الله.

ومجانية التعليم كانت سبقا حضاريا سبقت إليه الأمة الإسلامية كثيرا من أمم الأرض، وكذلك مجانية العلاج في"البيمارستانات"وكلها مظهر حضارية ذات دلالة واضحة، ونابعة من روح الإسلام.

ونظافة المجتمع الإسلامي من الجريمة -لا بمعنى عدم وقوعها، فهذا لم يتوفر في أي مجتمع بشري في التاريخ- ولكن بمعنى ندرة حدوثها بحيث يحس الناس بالأمن والطمأنينة على أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم .. [2] .

ونظافة المجتمع من الخمر .. [3] .

ونظافة المجتمع من الفاحشة .. [4] .

وروح التواد والتراحم التي تجعل أهل الحيّ الواحد من المدينة كأنهم أسرة واحدة في أفراحهم وأحزانهم وهمومهم ..

(1) سورة آل عمران: 110.

(2) هذا الأمر بالذات من أشد ما تفتقده الجاهلية المعاصرة.

(3) النظافة هنا ليس معناها الامتناع الكامل -كما أسلفنا في الإشارة إلى النظافة من الجريمة، فهذا مستحيل في عالم البشر- ولكن معناها أنها ليست أمرا شائعا ولا كثير الحدوث.

(4) النظافة هنا ليس معناها الامتناع الكامل -كما أسلفنا في الإشارة إلى النظافة من الجريمة، فهذا مستحيل في عالم البشر- ولكن معناها أنها ليست أمرا شائعا ولا كثير الحدوث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت