الصفحة 90 من 142

ومن التكريم أنه نفخ فيه من روحه، فمنحته النفخة العلوية شفافية روحانية أضاءت عتامة الطين الذي سُوِّي منه:

(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [1] .

وصار من لحظة خلقه كائنا ماديا روحانيا في ذات الوقت، لا تنفصل فيه نفخة الروح عن قبضة الطين. يعرف ربه على وعي، ويؤمن بعالم الغيب على بصيرة، ويمشي بجسده على الأرض وروحه معلقة بالسماء.

وهذا هو الإنسان"في أحسن تقويم .."

فأين من ذلك إنسان الأسطورة الإغريقية المتمرد على الله، وأين منه الحيوان الدارويني المتطور؟!

انظر إلى النموذج السوي في الحضارة الإسلامية: إنسان عامل بكل قواه في عالم الشهادة، ينشئ المدن، ويشق الطرق، ويجوب آفاق الأرض ليستكشف مجاهيلها، ويفلح الأرض، ويصنع الخامات، وينظم مرافق الحياة، ويتعلم كل ما يتاح له في وقته أن يتعلمه، ويجتهد لفتح أبواب جديدة من العلم .. وهو في ذلك كله مؤمن بربه، مؤمن باليوم الآخر، ملتزم في حركته الوسعة بما أنزل الله، طامع في رضاه ..

أي نعمة توحد كيان الإنسان وتجمّعه، وتقيه من التمزق والحيرة والضياع؟!

إن هذا"الخليفة"الذي جعله الله في الأرض ليعمرها، مفطور على الحركة والنشاط بحكم النوازع التي أودعها الله في كيانه:

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. ) [2] .

ومفطور كذلك على التوجه إلى الخالق وعبادته:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) [3] .

(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [4] .

وهو -بنزعتيه معًا -متوازن مترابط متناسق، لا يجنح مع قبضة الطين، ولا يجنح مع نفخة الروح. يتحرك بقبضة الطين ولكن بلا غلظ ولا عتامة، مضيئًا بإشراقة الروح ..

وتلك هي الحركة السوية التي أنشأت الحضارة الإسلامية الفذة، وذلك تفردها بين الحضارات.

وعلى ذلك الجانب ينبغي أن نركز في حديثنا عن هذه الحضارة، ولا يستهوينا منهج الغرب في التركيز على النمائم والزخارف والمسكوكات وطرز العمار وطرز الملابس وأدوات الزينة ..

لا أقول نهملها .. ولكن لا نركز عليها .. لأنها ليست أثمن ما في"الحضارة".

إن عقد الصلة بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، والحياة للدنيا والحياة للآخرة، وعقد الصلة بين الجسد والروح. بين الحسيات والمعنويات. بين النشاط العملي والقيم الأخلاقية .. لهو أعظم ما يصل إليه الإنسان في الأرض. وعندئذ، وعندئذ فقط يكون"متحضر"بالمعنى الحقيقي للحضارة.

لذلك فإن هذا المعنى هو الذي يستحق التركيز عليه. وتأتي بقية الجوانب لتكمل الصورة. أو لتضع التفصيلات على الأطر القائمة لتنبض بالحياة.

(1) سورة ص: 71 - 72.

(2) سورة آل عمران: 14.

(3) سورة الأعراف: 172.

(4) سورة الروم: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت