الصفحة 89 من 142

إنما هذه كلها أسئلة نسألها -إن شئنا- بعد أن ننتهي من السؤال الأول: هل عبدوا الله حق عبادته أم زاغت قلوبهم فعبدوا غير الله؟ ويتفرع من هذا السؤال أسئلة: هل حكّموا شريعة الله أم غيرها من الشرائع؟ هل كان منهج تفكيرهم وسلوكهم منضبطا بالضوابط الربانية أم كان منلفتا من هذه الضوابط مستندا لغير ما أنزل الله؟ هل تخلقوا بأخلاق الله أم بأخلاق الشيطان؟

ثم يجيء السؤال الخاص بالأدوات، ولكنه ليس شقا واحدا كما ينظر إليه مؤرخو الغرب، إنما له شقان في آن واحد، أحدها يسأل عن الأدوات في ذاتها، في ماهياتها، في درجة تقدمها ودقتها وبراعتها .. إلخ، والآخ يسأل عن مجالات استخدامها: هل استخدمت لإعلاء كلمة الله وخدمة دينه؟ أم استخدمت في مصية الله والكفر بأنعمه؟

إذا أدركنا ذلك فقد صار لدينا مفهوم واضح عن"الحضارة"في المصطلح الإسلامي، وفي حدود هذا المصطلح نتحدث عن الحركة الحضارية الإسلامية في العصر العباسي.

إن أبرز ما فيها أنها"إسلامية".. انبثقت من العقيدة، وعاشت في ظلها، وظلت تعبيرا صادقا عنها إلى أن انحرفت عنها فأصابها ما أصابها من البوار.

لقد أنجزت إنجازات رائعة في الجانب المادي والتنظيمي، سواء في إنشاء المدن، أو شق الطرق، أو جمال العمارة، أو تقدم الصناعات، أو توزيع الاختصاصات والتنسيق بين شتى المرافق .. ولكن هذا -كما قلنا- قدر مشترك بين كثير من"الحضارات"-أو قل بين كل"الحضارات" [1] - وإن تفاوتت الأقدار، وتفاوتت البراعات ..

ولكنا قبل أن نتجه إلى الحديث عن تلك الراوئع -وهو ما نفعله الآن متأثرين بمنهج الغرب- يجب أن نتجه إلى الحديث عما تفردت به الحضارة الإسلامية بين الحضارات.

ولكي ندرك ذلك -كما فعلنا بالنسبة للحركة العلمية الإسلامية- فلننظر إلى الحضارة الغربية المعاصرة، أو بالأحرى إلى"الجاهلية المعاصرة" [2] ..

إن هذه الجاهلية قد أنشأت من العمارة المادية للأرض -في جميع الاتجاهات- ما لا مثيل له في التاريخ. وقد مكنها التقدم العلمي والتكنولوجي من القيام بإنجازات رائعة لم يكن يحلم بها الإنسان.

ولكن أين"الإنسان"في هذا الجاهلية؟

لقد حقق"الإنسان"ذاته .. واستمتع ..

فبأي معيار حقق ذاته .. وعلى أي مستوى كان متاعه؟!

فأما بمعيار الأسطوة الإغريقية فقد حقق ذاته! بمعصية الله، وتحدي أوامره، والابتعاد المقصود عن توجيهاته، والانسلاخ قدر الوسع عن الدين وقيمه وأخلاقياته.

وأما بمعيار الحيوان الدارويني المتطور فقد استمتع! بالإغراق في ملذات الحس حتى تستوعب الجهد والوقت والحياة ..

وأما بمقياس"الإنسان"الذي كرمه الله .. فلا!

يقول تعالى:

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [3] .

(1) نتكلم عن"الحضارة"هنا بالمفهوم اللغوي البحت أي فعل أهل الحضر مقارنا بفعل أهل البادية، لا بالمعنى الاصطلاحي بما يحمل من القيم.

(2) نتكلم عن"الجاهلية"بالمصطلح القرآني. انظر إن شئت"تمهيد في معنى الجاهلية"ص 13 - 29 من كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر".

(3) سورة الإسراء: 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت