الصفحة 9 من 142

المناهج هو التركيز على التاريخ السياسي للمسلمين -بعد فترة البعثة وصدر الإسلام- وتجريد التاريخ الإسلامي من محتواه الشامل، وحصره في النزاعات السياسية، وسعي كل حاكم إلى التوسع على حساب جيرانه، وما صحب ذلك من مؤامرات القتل والاغتيال ودس السم والفتك بالأعداء السياسيين .. وحين ينتهي المنهج بالطالب عند هذه الصورة الكئيبة، يُفْتح له تاريخ أوروبا صفحة مشرقة حافلة بالنشاط الحضاري والتقدم العلمي والمادي، فيحدث من جراء ذلك إيحاءان مسمومان -مقصودان- الأول إيهام الطالب أن الإسلام قد انتهى بعد فترة الخلفاء الراشدين، وتحول إلى صراعات سياسية على الحكم، لا غناء فيها للبشرية، ولا تمثل شيئًا يحسن الحرص عليه! والثاني أن التاريخ الذي يستحق الحفاوة والإعجاب حقًا هو تاريخ أوروبا! فيتم بذلك صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، وليّ أعناقهم إلى أوروبا، وهو هو الهدف التنصيري الذي عبّر عنه القس زويمر في خطبته الشهيرة في مؤتمر التنصير الذي عقد بالقدس عام 1935م [1] ، والذي كان كرومر قد وعد المنصرين بأن دنلوب سيحققه من خلال مناهج التعليم [2] .

والآن فلننظر أين يقع الخطأ -والخطر كذلك- في هذا المنهج الخبيث الذي تضافرت على إرسائه جهود المستشرقين وجهود المستعمرين على حد سواء.

ونسأل أولًا: هل كان في كتب المؤرخين المسلمين الأوائل ما يرشح لهذا التقسيم الذي نتخذه اليوم في مناهجنا، وهو تقسيم التاريخ الإسلامي -بعد عصر البعثة وصدر الإسلام- بحسب الأسر الحاكمة: العصر الأموي -العصر العباسي- العصر المملوكي- العصر العثماني .. إلخ؟

إن الذي يحسه القارئ في كتب المؤرخين الأوائل أنهم كانوا يكتبون عن تاريخ"الأمة الإسلامية"منذ نشأت على يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مكة أولًا ثم في المدينة بعد ذلك، وأنهم في أثناء تتبع تاريخها يتحدثون -حديثًا طبيعيًا- عن الحكام الذين تولوا، وعن أحوال الأمة في عهدهم، في مجالات الحياة المختلفة، من سياسة داخلية، وسياسة خارجية، وفتوح ومعارك، وحركة علمية، وحركة حضارية، وأحوال اجتماعية، وأحوال فكرية وأخلاقية وعمرانية .. إلخ .. إلخ .. وهذا هو الوضع الصحيح للتاريخ.

أما تقسيم التاريخ إلى مراحل سياسية، والحديث عن كل مرحلة كأن هناك حدودًا فاصلة في مجرى التاريخ تفصل بين عهد وعهد، وتجعل كل عهد شيئًا قائمًا بذاته، فأول ما يلفت النظر من عيوبه -وأخطاره كذلك- أنه يقطع التواصل التاريخي بين أجيال هذه الأمة، كأنما لم تكن أمة واحدة متصلة، وكأنما لم تكن بالذات هي"الأمة الإسلامية".

إن أبرز ما يميز هذه الأمة أنها هي"الأمة الإسلامية"! وأبرز ما يجب أن يميز تاريخها، أنه"تاريخ الأمة الإسلامية"!

إنه بأمجاده وانتكاساته، بارتفاعاته وانخفاضاته، بقممه ووهداته، بمده وجزره، بمكامن القوة فيه ومواضع الضعف، هو تاريخ هذه الأمة بالذات، وليس أي تاريخ لأي بشر على الأرض!

إن هذه الأمة ذات وضع معين في التاريخ .. إنها ليست مجرد أمة من أمم الأرض. إنها أمة الرسالة الخاتمة، التي حمّلت رسالة الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسل إلى البشرية كافة، وإلى قيام الساعة، وهي بهذه الصفة خير أمة أخرجت للناس:

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [3] .

ولكن خيريتها ليست ذاتية، ولا عرقية، ولا قومية ..

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [4] .

وكذلك وضعها الخاص بين الأمم مستمد من ذات الأمر:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [5] .

(1) راجع كتاب"المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام"للشيخ محمد محمود الصراف، دار الاعتصام، القاهرة، ص58 - 59.

(2) راجع قضية الغزو الفكري إن شئت في كتاب"واقعنا المعاصر"ص195 - 324.

(3) سورة آل عمران: 110.

(4) سورة آل عمران: 110.

(5) سورة البقرة: 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت