إن الله أمرنا أن نقول الحق ولو على أنفسنا أو الوالدين والأقربين، وأن نكون شهداء لله قوامين بالقسط: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [1] .
والتاريخ أمانة، وشهادة تؤدّى لله، لا يؤثر على أدائها حب أو كره:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [2] .
فالمؤرخ المسلم إذن مطالب أن يتحرى الحق ويبذل جهده للوصول إليه، دون مداراة على أحد ولا محاباة ولا ظلم، فإن اجتهد وأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر، وهدفه الدائم أن يؤدي الشهادة لله.
نعم .. ولكن ما تفعله المراجع الحالية شيء آخر! ّ
ولنفترض جدلًا أن كل ما نسب إلى المنحرفين في المجال السياسي صحيح، ولم تدخل فيه المبالغات الناشئة عن العداوات الحزبية والمذهبية التي يشنّع فيها كل فريق على خصمه بما يشاء، ولا المبالغات الروائية التي جعلت من هارون الرشيد -الذي كان يحج عامًا ويغزو عامًا- بطلًا من أبطال ألف ليلة وليلة! فخلاصة الأمر أن نسلم -جدلًا- بأن التاريخ السياسي للمسلمين كان خطًا أسود! فليكن كذلك! ولكنه خط أسود في صفحة يغلب عليها البياض! فإذا أنت غطيت على بياض الصفحة كله، وأبرزت الخط الأسود وحده، أتكون قد قلت الحقيقة؟ أتكون قد أعطيت صورة صحيحة لهذا التاريخ؟!
وما الأثر الذي يتركه هذا العمل في نفس القارئ؟
أيمكن أن يكون هو ذات الأثر لو أنه اطلع على الصفحة بكاملها، بياضها كله وسوادها كله؟ أم يختلف التأثير حتمًا بين هذه الصورة وتلك؟
تلك هي القضية .. وهي قضية خطيرة سواء من الناحية العلمية البحتة، أو من ناحية تأثيرها في النفوس.
فمن الناحية العلمية يصبح هذا التاريخ مزورًا ولو صحت كل كلمة كتبت فيه! لأنه يعطي الأمة حجمًا أصغر بكثير من حجمها الحقيقي، ويضع قزمًا ضئيلًا في مكان العملاق!
وأما من ناحية التأثير في النفوس فشتان بين أن ترى أمامك كائنًا حيًا متماسكًا يتحرك حركة الأحياء الأقوياء، وإن كان يتعثر في حركته أحيانًا، ويقع أحيانًا، ويدمي جسده من أثر الوقوع أحيانًا، ولكنه يعود فيقوم ويتحرك، وبين أن ترى مسخًا كسيحًا يختاج في حركته، وكلما مشى خطوات انتكس ووقع على الأرض! الأول تتفاعل معه، وتحب حركته، وتقدر له لحظات ضعفه، ولو أنّبته عليها وزجرته، والثاني تعافه نفسك وتنفر منه!
والتأثير الثاني هو المقصود!
لا زلت أذكر المنهج الدنلوبي في مصر!
حين اشتكى المنصرون من"اللورد كرومر"-المعتمد البريطاني في مصر- زاعمين أنه يضيق عليهم في عملية التنصير، جمعهم وقال لهم: هل تتصورون أنني يمكن أن أقف في طريقكم؟! ولكنكم تستخدمون وسائل خاطئة فتخطفون الرجال والأطفال وتنصرونهم قسرًا، فينشأ عن ذلك ردود فعل عند المسلمين يزيدهم تمسكًا بالإسلام! ولكني اتفقت مع شاب تخرج حديثًا في كلية اللاهوت بلندن ( Trinity College) ليتولىى وضع منهج تعليمي سيحقق لكم كل رغباتكم!
وكان هذا هو المستر"دنلوب"، الذي عينه كرومر مستشارًا لوزارة المعارف المصرية، فوضع مناهجه الخبيثة التي ما تزال روحها تعمل حتى هذه اللحظة. وكان من أخبث ما اشتملت عليه، مناهج التاريخ (إلى جانب ما فعل بدرس اللغة العربية ودرس الدين) [3] ، وكان السم الذي وضعه في تلك
(1) سورة النساء: 135.
(2) سورة المائدة: 8.
(3) راجع إن شئت كتاب"واقعنا المعاصر"فصل آثار الانحراف"المبحث الخاص بالاحتلال البريطاني ودوره في الإفساد ص217 - 234."