ومن ثم تتحقق لها صفة الخيرية طالما كانت قائمة برسالتها، وتزول الصفة عنها كلما فرطت في أداء الرسالة ..
وتاريخها هو هذا: أمجادها، وارتفاعاتها، وقممها، وقوتها، هي التي تكون فيها مؤدية لرسالتها، وبالقدر الذي تكون فيه مؤدية للرسالة. وانتكاساتها، وانخفاضاتها، ووهداتها وفترات ضعفها، هي التي تكون فيها ناكلة عن رسالتها، وبالقدر الذي تكون فيه ناكلة عن الرسالة.
وهذا هو الذي يحدد لها معالم تاريخها منذ اللحظة الأولى، وهو الذي يفسر تاريخها كذلك.
إنه ليس تاريخ الدولة الأموية، أو الدولة العباسية، أو دولة المماليك، أو الدولة العثمانية .. إنما هو دائمًا تاريخ"الأمة الإسلامية". ومعياره الدائم -في أي حقبة من حقبه- هو هذا المعيار: هل كانت الأمة قائمة برسالتها، وعلى أي نحو كان ذلك، وعلى أي مستوى؟ أم كانت مجافية لرسالتها، متقاعسة عنها، ناكلة عن مقتضياتها، وعلى أي نحو كان ذلك، وعلى أي مستوى!
وحين ندرس تاريخ الأمة على هذا النحو، تتضح لنا جوانب كثيرة من الصورة، تغيب عنا حين لا تتخذ هذا المنهج .. وبالذات حين نتبع المنهج الذي يقسم التاريخ إلى تاريخ الأسر الحاكمة ..
فمن ناحية ندرك سر اختلاف درجات الإضاءة في صفحة التاريخ الإسلامي، ما بين الإشراق الشديد أحيانًا، والعتامة المظلمة أحيانًا أخرى. إنه ليس مجرد ظروف أحاطت بالأمة في وقت معين: ظروف سياسية أو حربية أو اقتصادية .. أو ما شابه ذلك مما يفسر به التاريخ!
إن منبع النور واحد .. العقيدة الصحيحة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وتختلف درجات الإضاءة في صفحة التاريخ بمقدار استمداد أهل كل فترة من فتراته من ذلك المنبع الأصيل، ومدى قيامهم بما تقتضيه العقيدة الصحيحة من تكاليف في عالم الواقع. فتشتد الإضاءة حتى تتوهج حين يكون استمدادهم على أتمه، وتخبو حين يضعف الاستمداد، وتظلم الصفحة تمامًا حين تنقطع صلة الناس بمصدر النور.
ورؤية تاريخ الأمة على هذا النحو يصحح كثيرًا من المفاهيم المغلوطة التي تُتَداول في التاريخ.
فقد تعودنا خلال دراستنا للتاريخ أن نرد الأمر كله إلى الظروف السياسية والحربية والاقتصادية .. إلخ، كأنه أمر بشري بحت، وأرضي بحت، لا دخل فيه للسنن الربانية التي يجري من خلالها قدر الله في هذا الكون. كما تعودنا -بفعل الغزو الفكري- أن نغفل الخصوصية التي قدّرها الله لهذه الأمة بالذات.
فإذا كانت الظروف السياسية والحربية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية .. إلخ هي التي تقرر مصاير الأمم في الأرض، فليس ذلك لأن هذه الظروف لها -في ذاتها- قوة الحسم والفصل، كما تُخَيَّلُ إلينا مناهج التأريخ الجاهلية، ولكن لأن سنة الله في الأمم الجاهلية أن يكلها إلى الأسباب التي تتخذها، وتجعلها أندادًا من دون الله:
(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) [1] .
أي ينالون من النتائج بقدر ما يبذلون من الجهد.
بل قد يزيدهم الله نجاحًا وتمكينًا كلما أمعنوا في البعد عنه، والركون إلى الأسباب الأرضية:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ .. ) [2] .
وكل ذلك إلى حين، وعلى حساب نصيبهم في الآخرة:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [3] .
(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [4] .
(1) سورة هود: 15.
(2) سورة الأنعام: 44.
(3) سورة الأنعام: 44 - 45.
(4) سورة هود: 15 - 16.