الصفحة 11 من 142

أما قدر الله للأمة المسلمة فمختلف. ولهذه الأمة خصوصية في قدر الله ..

وليست الخصوصية أن ينصرها الله ويمكن لها في الأرض دون أن تتخذ الأسباب كما توهمت الأمة في عهودها الأخيرة!

كلا! فهذا مخالف للسنن العامة التي أجراها الله في حياة البشر جميعًا، مؤمنهم وكافرهم على السواء .. وفي كتاب الله نصوص صريحة تلزم هذه الأمة باتخاذ الأسباب:

(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ .. ) [1] .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [2] .

(هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ... ) [3] .

ولكن الخصوصية هي أن الله لا ينصر هذه الأمة إلا حين تتخذ الأسباب من خلال توكلها على الله، أي من خلال العقيدة الصحيحة .. أي من خلال توجهها إلى الله واستمساكها بدينه. وهي خصوصية متناسبة مع التكليف الضخم الذي كلفته هذه الأمة، وأنها أمة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.

(فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) [4] .

(وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [5] .

فالأسباب الأرضية وحدها -التي يكل الله الجاهليين إليها، وينصرهم بها ويمكن لهم في الأرض بمقدار ما يجتهدون فيها -لا تصلح وحدها سندًا لهذه الأمة، وأداة للتمكين والنصر ما لم يوثقوا صلتهم بالله؛ وأبرز دليل على ذلك هزيمة المسلمين يوم حنين، بينما الأسباب الأرضية كانت في جانبهم، حين غفلوا لحظة عن التوكل الحق على الله، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة! ثم عودة النصر إليهم في نفس المعركة حين عدّلوا موقفهم النفسي ورجعوا إلى الله:

(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) [6] .

بينما يبارك الله في الأسباب ويضاعف ثمارها حين يصدق التوكل على الله:

(قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ [7] وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ) [8] .

( .. وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [9] .

(1) سورة الأنفال: 60.

(2) سورة محمد: 7.

(3) سورة الأنفال: 62 - 63.

(4) سورة آل عمران: 159.

(5) سورة آل عمران: 160.

(6) سورة التوبة: 25 - 26.

(7) كانوا ثلاثة أضعافهم في الحقيقة.

(8) سورة آل عمران: 13.

(9) سورة آل عمران: 122 - 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت