الصفحة 12 من 142

(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) [1] .

وأبرز دليل على ذلك في تاريخنا المعاصر انتصار المجاهدين الأفغان على أضعاف أضعافهم من العدد والعدة والأسباب الأرضية، التي كان يجب أن تؤدي -في حسابات البشر الأرضية- إلى انتصار الروس!

هذه الخصوصية هي التي تميز تاريخ هذه الأمة عن تاريخ البشر الجاهليين. ومن ثم لا يكفي أن نرد تقلباتها إلى"الظروف"التي نفسر بها تاريخ الأمم الأخرى، وإنما لا بد أن نضع في مقدمة"الأسباب"قربها أو بعدها من الله، وقيامها -أو عدم قيامها- بمقتضيات رسالتها، وهي الإيمان بالله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشهادة على كل البشرية ..

كذلك حين ندرس تاريخ الأمة على هذا النحو ندرك أسباب الانتكاسة الضخمة التي وقعت فيها الأمة في عصرها الأخير، ونتعرف في الوقت ذاته على طريق الخلاص ..

إن التخلف المادي والعلمي والسياسي والحربي والاقتصادي .. إلخ، الذي هو سمة المسلمين في واقعهم المعاصر، ليس هو السبب الأصيل في انتكاستهم المعاصرة، إنما هذه كلها هي أعراض للمرض الأصلي، الذي هو فراغ المسلمين من حقيقة الإسلام، وبعدهم عن الله، وبعدهم عن مقتضيات رسالتهم التي أخرجهم الله من أجلها ..

والعمل على علاج التخلف المادي والعلمي والسياسي والحربي والاقتصادي .. إلخ .. -وحده- لن يوصل هذه الأمة إلى شيء، إذا لم تصلح حالها مع الله، وترجع إليه، وتفيء إلى مقتضيات رسالتها ..

وتلك حقيقة ضخمة تغيب عنا حين ندرس تاريخ هذه الأمة بعيدًا عن إدراك تلك الخصوصية التي قدرها لها الله، وكذلك حين نركز على التاريخ السياسي للمسلمين غافلين عن تاريخهم الإيماني الذي هو مرجع الأمر كله في القديم أو في الحديث سواء.

إن التخلف العلمي والمادي والسياسي والحربي والاقتصادي .. الخ، لم يكن هو الأصل في هذه الأمة، ولم يكن هو سِمَتَها حين كانت مستمسكة بما أمرها الله ورسوله أن تستمسك به:

(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ .. ) [2] .

"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا،: كتاب الله وسنتي .." [3] .

وإنما حدث هذا التخلف -بجميع أنواعه- مصاحبًا للتخلف العقيدي في حياة الأمة، وناشئًا عنه [4] . ولا يزوال -بإذن الله- حتى تزول أسبابه التي أوجدته:

"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [5] .

وذلك درس تربوي عظيم لهذه الأمة، تفقده حين تفقد دراسة تاريخها على منهج صحيح [6] ..

أمر آخر من أمور الدلالات التاريخية نفتقده حين يغيب عنا المنهج الصحيح لدراسة تاريخ الأمة الإسلامية، هو علاقة أوضاع هذه الأمة -في خصوصيتها التي أخرجها الله من أجلها- بأوضاع البشرية على اتساعها.

(1) سورة الأنفال: 17 - 18.

(2) سورة الزخرف: 43.

(3) رواه أحمد وأبو داود.

(4) انظر بالتفصيل كتاب"واقعنا المعاصر"فصل"آثار الانحراف"وكتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".

(5) سورة الرعد: 11.

(6) سنعاود الحديث عن هذا الموضوع في الفصول الأخيرة من الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت