إن هذه الأمة -كما أشرنا من قبل- ليست مجرد أمة قابعة في ركن من أركان الأرض، محدودة الأثر في مجرى التاريخ البشري. ذلك أنها أمة التوحيد الكبرى، التي أخرجه الله لتكون شاهدة على كل البشرية:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [1] .
فلا قضية التوحيد قضية هامشية كما تحاول الجاهلية المعاصرة أن تجعلها، ولا الأمة التي تحمل التوحيد أمة هامشية كما يوحي -مع الأسف- واقعها المعاصر الذي تعيشه وهي غثاء كغثاء السيل، ويستغله المستغلون في تهوين شأن هذه الأمة، وإلغاء دورها بالنسبة للبشرية.
قضية التوحيد في ميزان الله -وهو الميزان الحق- هي قضية القضايا، ومحور الارتكاز في الوجود البشري كله، من أجلها أرسل الله الرسل، وعليها وبها يتحدد مصير الإنسان في الآخرة، فضلًا عن نوع معيشته في الحياة الدنيا، ومنهجه فيها، أهو المنهج اللائق بالإنسان كما خلقه الله (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) أم هو منهج الحيوان متطورًا كان أم غير متطور!
ولقد ظلت الجاهلية المعاصرة تزحزح هذه القضية عن مركزها، وتهون من أمرها، حتى جعلتها في الأخير مزاجًا شخصيًا، فمن شاء آمن ومن شاء كفر .. من شاء عَبَد الله، ومن شاء عبد ما يحلو له من آلهة الوهم الزائفة، والحياة -في زعم الجاهلية- تمضي في سبيلها قدمًا بهذا العابد وذاك على السواء، تحكمه المادة، أو ثورة التكنولوجيا، أو المصالح القومية، أو المصالح الذاتية، أو العقل الجمعي، أو وسائل الإعلام .. ولا يدخل مزاجه الشخصي -سواء اختار الكفر أو الإيمان- في تحديد مساره أو رسم منهج حياته .. كلهم في النهاية سواء، في"القرية الصغيرة"التي تحول إليها العالم بفضل وسائل الاتصال!!
ونوشك نحن -في تأريخنا لأمتنا- متأثرين بهذه التيارات الجاهلية- أن نعالج تاريخنا- بعد فترة صدر الإسلام- لى ذات النسق الغربي، خاصة حين نعرضه على أساس الأسر الحاكمة، متغافلين عن قضية التوحيد وأثرها في تحديد أحوال الأمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والأخلاقية!
ومن بين ما نغفله كذلك ونحن نصنع ذلك: الأثر الذي تركته أحوال الأمة الإسلامية في أوضاع البشرية على مدار التاريخ. وقد يكون هذه الأثر واضحًا بالنسبة لفترة المد الإسلامي، وإن كان التعتيم الإعلامي الغربي -في مجال التاريخ خاصة- يحاول التقليل من شأنه، وحصره في حدود معينة، ولكن الذي نريد أن نؤكده هنا أن أوضاع هذه الأمة ذات أثر دائم على أوضاع البشرية، سواء أكانت في حالة المد، حين تكون قائمة برسالتها، أم كانت في حالة الجزر حين نكلت عن أداء رسالتها، وذلك من قدر الله لها، وقدره للشرية كذلك منذ أخرج لها هذه الأمة، وكلفها ما كلفها من تكاليف:
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [2] .
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [3] .
فأما في فترة المد الإسلامي فيكفي أن نشير هنا إلى ما اعترفت به القلة المنصفة من المؤرخين الأوروبيين من أن أغلب مؤثرات النهضة الأوربية قد استمدت من الإسلام والحضارة الإسلامية [4] . على الرغم من أن أوروبا لم تدخل في الإسلام، بل على الرغم من أنها حاربته أبشع حرب في التاريخ!.
وأما حين نكلت الأمة عن رسالتها، وانحسر المد الإسلامي من جراء ذلك، فقد كان الأثر سلبيًا وسيئا على العالم كله، إذ فقدت البشرية النموذج الصحيح الذي يمكن أن تهتدي به، ولم يبق إلا النموذج الجاهلي المنحرف، يستبد بالساحة وحده، ويجرف البشرية كلها إلى الضياع. ويكفي أن نثبت هنا أن سيطرة أوروبا الجاهلية وتضخمها، وتمكنها في الأرض، لم يحدث إلا نتيجة ضعف العالم الإسلامي، فنجم الاستعمار بكل فظائعه وسوآته، واستُعبد الأحرار في مساحة واسعة من الأرض، ونُبذ الدين من كل مجالات الحياة في ظل"العلمانية"، وانتشر الفساد في الأرض .. وإن نثبت كذلك أن
(1) سورة البقرة: 143.
(2) سورة آل عمران: 110.
(3) سورة البقرة: 143.
(4) اقرأ على سبيل المثال قول"بريفولت"في كتاب"بناء الإنسانية":"ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوروبا إلى الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية، عن كتاب"تجنيد الفكر الديني"لمحمد إقبال، ترجمة عباس محمود ص250."