الصفحة 14 من 142

بروز اليهود، وسيطرتهم العالمية، كانت إحدى النتائج السيئة التي نجمت عن ضعف العالم الإسلامي، وقيام الثورة الصناعية على قاعدة ربوية مكنت اليهود من جمع المال الحرام، والسيطرة به على الحياة المعاصرة، وإتلاف كل القيم الفاضلة التي يعيش عليها"الإنسان" [1] .

وهكذا تثبت الدراسة الواعية للتاريخ أن مصير البشرية كلها قد ارتبط بأحوال هذه الأمة منذ أخرجها الله إلى الوجود، وكلفها أن تحمل الرسالة الخاتمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم- وأن قيام هذه الأمة برسالتها أو نكولها عنها هو مفرق طريق في حياة البشرية منذ أربعة عشر قرنًا، وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. بقدر من الله.

تلك المعاني كلها، المتعلقة بخصوصية هذه الأمة، ودورها في حياة البشرية، لم يكن المستشرقون من أهل الكتاب ليشيروا إليها بكلمة واحدة وهم يكتبون التاريخ لأنها غُصّة في صدورهم، وقذى في أعينهم .. وهم الذين قال الله فيهم:

(مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [2] .

(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [3] .

(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا .. ) [4] .

ولا نتوقع نحن منهم بطبيعة الحال أن يرتفعوا على أحقادهم ويعترفوا بالحق. ولكن الذي لا يستساغ منا أن نتابعهم في تجاهل ما تجاهلوه، وإغفال ما أغفلوه من حقائق التاريخ، وهو تاريخنا نحن، والتبعة في تسجيله وإبرازه تقع علينا نحن قبل أن تقع على أحد من العالمين!

حين نعيد كتابة التاريخ الإسلامي ينبغي أن نوجه انتباهنا إلى بضعة أمور ..

إن التاريخ ليس مجرد أقاصيص تحكى، ولا هو مجرد تسجيل للوقائع والأحداث ..

إنما يُدْرَسُ التاريخ للعبرة .. ويدرس للتربية .. تربية الأجيال.

(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [5] .

( .. فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [6] .

وكل أمة من أمم الأرض تعتبر درس التاريخ من دروس التربية للأمة، فتصوغه بحيث يؤدي مهمة تربوية في حياتها .. أما كتاباتنا نحن في عصرنا الحديث هذا فكثير منها كأنه غافل عن هذه المهمة الضخمة، لأنه مكتوب على يد قوم قلوبهم موجهة إلى خارج ذواتهم، بفعل التبعية، وفعل الغزو الفكري، أو موجهة إلى ذواتهم ولكن بميول منحرفة -هي ذاتها من فعل الغزو الفكري- كالوطنية والقومية والعلمانية والاشتراكية والمادية .. إلخ .. إلخ.

(1) اقرأ إن شئت"مااذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"من كتاب"رؤية إسلامية لأحول العالم المعاصر"ص186 - 202.

(2) سورة البقرة: 105.

(3) سورة البقرة: 109.

(4) سورة آل عمران: 120.

(5) سورة يوسف: 111.

(6) سورة الأعراف: 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت