إن من بدهيات التوجيه التربوي لدراسة التاريخ الإسلامي أن يخرج أجيالًا مسلمة، تعرف حقيقة دينها، وتستمسك به، وتعمل على إحيائه في نفوسها وفي واقع حياتها ..
فهل تؤدي الدراسات المستحدثة في التاريخ الإسلامي هذا الهدف حقًا، وخاصة في دراسة تاريخنا الحديث بالذات [1] ؟! أم إنها تشتت ولاء القارئ والدارس بين انتماءات شتى، يخرج منها بغير انتماء حقيقي في نهاية المطاف؟!
ونضرب مثالًا للتوضيح ..
يقول أحد المستشرقين في كتاب"الشرق الأدنى، مجتمعه وثقافته" [2] :
(إننا في كل بلد إسلامي دخلناه، نبشنا الأرض لاستخراج حضارات ما قبل الإسلام. ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات"!"
ولعل من الأمثلة الواضحة على ذلك قول"شاعر النيل"حافظ إبراهيم:
أنا مصريّ بناني من بنى ... هرم الدهر الذي أعيا الفنا!
ذلك مع أن له شعرًا كثيرًا في"الإسلاميات"!
والمستشرق -الصريح- يكتفي منه بهذا التذبذب بين الفرعونية وبين الإسلام! كما يكتفي من غيره بالتذبذب بين الإسلام والآشورية أو الفينيقية أو البربرية أو الجاهلية العربية أو غيرها من الجاهليات!
ولا يتبادر إلى ذهن أحد أننا نقصد بذلك تزوير التاريخ الإسلامي، لإعطاء صورة وضاءة مزورة، لإحداث أثر معين في نفس القارئ -وقد أشرنا إلى هذا من قبل- ولا إلى إغفال عثرات المسلمين وانتكاساتهم وانحرافاتهم، وإبراز الأمجاد والبطولات وحدها، لإحداث ذلك الأثر المعين، فهذا إن صح مع الأطفال الصغار في أول تنشئتهم فإنه لا يصح مع عموم الدارسين، ولا يؤدي العبرة التربوية المقصودة.
إنما يجب كتابة التاريخ بأمانة كاملة -كما أشرنا من قبل- لا تغفل شيئًا من العثرات، ولا تداري على الانحرافات والانتكاسات، بل تبقيها كما حدثت في الواقع، وتستخرج من العبرة التربوية منها كما تستخرجها من الأمجاد والبطولات سواء.
إن التوجيه التربوية المطلوب ليس هو الزهو الفارغ بالأمجاد .. فهذا شأن التوجيهات الوطنية والقومية، وهي توجيهات جاهلية منحرفة، لا تربي"الإنسان الصالح"الذي يهدف الإسلام إلى تربيته.
إنما"الإنسان الصالح"هو الذي يزن الأمور بميزان الله، ويرجع في حكمه على الأمور إلى حكم الله.
وفي الموضوع الذي نحن بصدده -موضوع التاريخ الإسلامي- يكون الدرس التربوي الأكبر، المستفاد من تتبع أحوال هذه الأمة في صعودها وهبوطها، ورفعتها وانتكاسها هو تتبع السنن الربانية من جهة، وأنها لا تحابي أحدًا ولا تنحرف عن مسارها من أجل أحد، وإبراز الحقيقة الرئيسية في حياة هذه الأمة من جهة أخرى: أنها لا تمكّن في الأرض إلا وهي مستمسكة بدينها، عاملة بمقتضيات التكليف الرباني لها، وأنها كلما حادت عن الطريق أصابتها العقوبة الربانية فزال عنها التمكين وأصابتها النكبات .. وأنها من جهة ثالثة لا تبرأ من نكباتها إلا بالعودة الصادقة إلى الله. وأنها حين تعود لا تكون ممكنة في داخل حدودها فحسب، بل تكون في مقام التوجيه والشهادة على كل البشرية.
هذا هو الدرس .. وهو يقتضي الأمانة الكاملة في رصد الأحداث، لا التزييف ولا المداراة.
وإني لأذكر من أيام كنت أقوم بالتدريس في الصفوف الابتدائية والإعدادية أنني كنت أركز تركيزًا شديدًا على القيم والمعاني الإسلامية المتمثلة في فترة البعثة والخلفاء الراشدين -بقدر ما يطيق الصغار الذبن كنت أخاطبهم- ثم إذا مررنا بانحراف من انحرافات المسلمين في العهود التالية أسأل
(1) سنتحدث عن هذا الأمر بشيء من التفصيل في الفصول الأخيرة من الكتاب.
من منشورات"الألف كتاب"-وزارة التعليم العالي- القاهرة.