الصفحة 16 من 142

الطلاب: لو كان عمر رضي الله عنه في هذا الموقف فماذا كان يفعل؟ فكانت ترتفع الأصابع متحمسة لتدلي بالجواب الصحيح. وكنت أهدف بهذا إلى أمرين في آن واحد، تركيز تصور الطلاب للتصرف الإسلامي الصحيح الذي كان يجب على الحاكم أن يقوم به تنفيذًا لأوامر الله، ثم بيان الخلل الذي وقع في حياة الأمة من جراء مخالفة أوامر الله. فيكون الدرس المقصود هو استصحاب المعيار الإسلامي الصحيح في أثناء استعراض المسيرة التاريخية للأمة الإسلامية بكل ما حوته من استقامة وانحراف، واستصحاب الصورة الإسلامية الصحيحة حية في النفوس من أجل العمل على استعادتها من جديد، وتحويلها مرة أخرى إلى واقع مشهود، بدلًا من أن تبهت الصورة في نفوس الدارسين، وتصبح ذكرى لعهد مضى ولا يمكن أن يعود!

في سبيل هذا الهدف التربوي -الذي يتمشى في الوقت ذاته مع الأمانة العلمية الكاملة- علينا أن نبرز جملة من المعاني في تاريخ الأمة الإسلامية، لا نجدها بارزة المعالم في كثير من الدراسات المستحدثة على وجه الخصوص.

(1) أن التوحيد هو النعمة الربانية الكبرى التي أضفاها الله على هذه الأمة، والهدف الأكبر الذي أخرجت هذه الأمة من أجله وكلفت بنشره في الأرض، وهو في الوقت ذاته هدية هذه الأمة الكبرى للبشرية:

(لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [1] .

(الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [2] .

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [3] .

وبقدر ما عملت الجاهلية المعاصرة على تهوين أمر العقيدة، وجعلها أمرًا شخصياَ لا يخص إلا صاحبه، ولا يؤثر إلا في مشاعر صاحبه وتصوراته الخاصة -دون حياته العملية- فعلينا نحن، ونحن نكتب تاريخ الأمة الإسلامية، أن نعطي الموضوع قدره الحقيقي كما هو في ميزان الله، ونبين أهميته الحقيقية في حياة الإنسان، وذلك بأن نبرز الأثر الواقعي للتوحيد في حياة الأمة المسلمة، الذي ميزها عن أمم الأرض، وجعلها بشهادة الله (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) حين كانت قائمة برسالتها.

فلم يكن التوحيد قط كلمة تنطق باللسان فحسب، ولا وجدانًا مستسرًا في الضمير. إنما هو منهج حياة كامل. فإنه لايتم التوحيد كما أنزله الله وأمر به حتى يعبد الله وحده في الاعتقاد، ويعبد وحده في الشعائر، ويعبد وحده في الشرائع التي تحكم حياة الناس، فيصبح الدين كله لله، ويصبح كل شيء في حياة الإنسان محكومًا بالمنهج الرباني: فكره ومشاعره وتصوراته وسلوكه. أموره السياسية وأموره الاقتصادية وأموره الاجتماعية وأموره الأخلاقية. وتكون هذه هي"العبادة"التي خلق من أجلها الإنسان:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [4] .

والتوحيد بهذا المعنى الشامل لا يمكن أن يكون مجرد مزاج شخصي لمعتنقه، لا يحكم واقعه العملي. ولا يمكن أن يكون مسألة شخصية ولا فردية، لأنه منهج حياة أمة بأسرها، ونظام حكم يلزم الناس باتباع ما أنزل الله.

ولا يمكن كذلك أن يكون مجرد قضية داخلية في حياة أمة أمرت أن تنشر هذه العقيدة في الأرض. بل لا بد أن تنشأ عنه في واقع الأرض"حركة"ضخمة تنبثق من ضمير الأمة وتأخذ شكل"جهاد"ماض إلى يوم القيامة، يهدف إلى إزالة الظلمات من الأرض، ودعوة الناس إلى الدخول في النور كما نصت الآية الكريمة من سوؤة إبراهيم.

وهكذا يصبح التوحيد -في دنيا الواقع- أكبر شيء مر بالناس في التاريخ.

(1) سورة آل عمران: 164.

(2) سورة إبراهيم: 1.

(3) سورة آل عمران: 104.

(4) سورة الذاريات: 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت