(2) ويجب أن يتبين من دراسة التاريخ كذلك أن التوحيد هو أكبر حركة لتحرير الإنسان في التاريخ .. ففي حين كانت حركات التحرير الأرضية كلها حزئية في بنيتها، جزئية في نتائجها .. سواء كانت حركة سياسية [1] ، أو حركة اجتماعية [2] ، أو حركة فكرية [3] ، أو حركة فنية [4] .. فقد كان الإسلام -وهو التوحيد- حركة تحريرية شاملة للإنسان كله، وللحياة كلها من كل جوانبها، منذ كان تحريرًا لضمير الإنسان من الوهم والخرافة، وتحريرًا للإنسان من العبودية لشهواته وأهوائه، وتحريرًا للبشر من اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا عن طريق التشريع، وإطلاقًا لطاقات الإنسان كلها لتعمل في البناء: بناء"الإنسان الصالح"الذي يعمر الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ويجاهد الفساد والظلم والانحراف والهبوط ..
(3) كذلك لا بد أن يتبين من دراسة الواقع التاريخي الإسلامي أن التوحيد أنشأ"أمة".. أمة فريدة في التاريخ في كون تجمعها لم يقم على أساس اللون أو العرق أو اللغة أو أية عصبيات أخرى من العصبيات التي تجمّع الناس في الجاهلية. إنما على أساس العقيدة. وأن هذا -وحده- هو التجمع الصحيح الذي يليق"بالإنسان". وأنه هو التجمع الأدوم. وأنه على الرغم من كل التفتت السياسي الذي أصاب العالم الإسلامي بقى شعور المسلمين بأنهم أمة مستمرًا في كيانهم ما يقرب من ثلاثة عشر قرنًا متوالية، حتى مزقها الغزو الفكري في القرن الأخير بالنعرات الوطنية والقومية والتيارات الاجتماعية المستمدة من خارج الإسلام، فأصبحت فرقًا متناثرة تداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ..
(4) ولا بد أن يتبين من الدراسة التاريخية أن حركة الفتح الإسلامي كانت كذلك حركة فريدة في التاريخ، لا تقارن بأي حركة توسعية في تاريخ الأمم الأخرى لاختلافها عنها في الجوهر وفي الهدف وفي الآثار المترتبة عليها.
فالحركات"الإمبراطورية"في القديم والحديث كان هدفها التوسع في الأرض وفي السلطان، وكان من ثمرتها استعباد الأقوياء للضعفاء، ونهب خيرات البلاد المفتوحية لحساب الدولة الغازية، وإذلال البشر المغلوبين على أمرهم وإهانة كرامتهم .. مع بقاء الغالب والمغلوب كليهما في ظلمات الجاهلية. وهي حركات لا تختلف كثيرًا عن حركات الوحوش في الغاب، إلا في أن الوحوش البشرية لا تستخدم عضلاتها وحدها في صراع الغلبة، وإنما تستعمل عقولها كذلك، سواء في صورة خدع سياسية، أو في صورة استنباط وسائل قتالية مستحدثة للقضاء على المنافسين.
أما حركة التوسع الإسلامية فهي أولًا تكليف رباني لهذه الأمة، وليست هوى ذاتيًا ولا شهوة بشرية.
ثم إن هدفها ليس التوسع في الأرض، إنما هدفها -المأمورة به من عند الله- إزالة"الفتنة"التي تفتن البشر عن إلههم الحق، متمثلة في أنظمة جاهلية تعبّد البشر لغير الله في الاعتقاد أو العبادة أو التشريع أو فيها جميعًا، وحكومات جاهلية وجيوش جاهلية تحمي تلك النظم. فإذا أزيلت الفتنة فالناس بعد ذلك أحرار يختارون لأنفسهم ما يريدون: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [5] وذلك منتهى التكريم للإنسان: ألا يكره على الاعتقاد ولو كان هذا الاعتقاد الصحيح، حتى يصدر ذلك عن ضميره بعد التدبر والاقتناع.
ثم إن ثمار هذه الحركة لم تكن استعبادًا للناس بل كانت تحريرًا للمستعبدين، ولم تكن تكوين إمبراطوريات وإنما كانت تكوين تلك"الأمة"الفريدة في التاريخ.
(5) ثم تولدت عن حركة التوحيد الكبرى -منبثقة عنها- حركة علمية وحركة حضارية متميزة في التاريخ ..
وفي أثناء المد الإسلامي لم يكن تميّز الحركتين العلمية والحضارية في حجمهما فقط -بالنسبة لزمانهما- وإن كان هذا مما يحسب لهما، ولم يكن في أصالتهما فقط، وإن كان هذا أيضًا مما يحسب لهما. ولكن في انبثاقهما عن التوحيد. وهذا أعظم ما فيهما في حقيقة الأمر. فإن الشمول الذي تميزت به الحركة الحضارية الإسلامية .. الشمول الذي يشمل الروح والمادة بغير طغيان من أحدهما على الآخر .. والشمول الذي تميزت به الحركة العلمية الإسلامية .. الذي يشمل دراسات واسعة متعمقة في علوم الدين: العقيدة والعبادات والفقه والأصول والقرآن والسنة .. إلخ، ويشمل إلى جانبها كل علوم الدنيا المتاحة يومئذ من طب وفلك ورياضيات وفيزياء وكيمياء جنبًا إلى جنب بلا تعارض ولا عداء .. هذا كله كان ثمرة لانبثاق كلتا الحركتين من عقيدة
(1) كالديمقراطية.
(2) كالشيوعية.
(3) كالفلسفات التي توالت في التاريخ.
(4) ككل الحركات التي سمت نفسها"تجديدية"في الآداب والفنون.
(5) سورة البقرة: 256.