الصفحة 18 من 142

التوحيد الشاملة الكاملة التي أنزلها الله لإصلاح الأرض وترقيتها ودفعها قدمًا إلى الأمام، فلم يتعارض فيها العمل للدنيا مع العمل للآخرة، ولم تتعارض مطالب المادة مع مطالب الروح .. في توازن فريد في التاريخ [1] .

هذه المعاني كلها هي المساحات البيض في صفحة التاريخ الإسلامي، التي يطمس عليها التركيز على الخط الأسود وحده في الصفحة، حتى لو سلمنا أنه كان سوادًا كله .. وذلك غير صحيح .. فهذا الخط نفسه قد اختلط فيه الأبيض بالأسود على مدار التاريخ، وإن غلب السواد فيه على البياض.

من أجل ذلك كان التركيز على هذه المعاني، وإبراز بياضها وتفردها، ألزم ما يكون عند إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، حتى لا يستأثر الخط الأسود وحده بالتأثير في نفوس الدارسين كما أراد أعداء هذا الدين وهم يوجهون الكتابات التاريخية بحيث تعطي وهمين تاريخيين لا حقيقة لهما: أن الإسلام قد انتهى بعد فترة الخلافة الراشدة، وأن التاريخ الإسلامي ليس فيه ما يثير اعتزاز المسلم، بل هو على العكس مدعاة إلى التبرم به والنفور منه.

أما الخط الأسود فيبقى في مكانه، بكل الأمانة العلمية الواجبة على المؤرخ المسلم .. ولكن يبقى في حجمه الطبيعي بالنسبة للصفحة المليئة بالمساحات البيضاء، في فترة المد الإسلامي على أقل تقدير.

أما فترة الانحسار فهي في حاجة إلى التفاتة خاصة عند إعادة كتابة التاريخ.

يجب النظر إليها من الداخل .. من داخل نفوس المسلمين، لا من الظروف الخارجية التي أحاطت بهم ..

فحين ننظر إليها من جهة الظروف الخارجية نخرج بنتائج خاطئة من جهة -وإن تزيّت بزي البحث"العلمي"- وبتأثيرات نفسية سيئة، كانت مقصودة عند الذين يكتبون لنا تاريخنا لغايات معينة في نفوسهم، ونتابعهم نحن على غير وعي.

الظروف الخارجية كما تعرضها الدراسات التاريخية تتلخص في نهضة أوروبا، وتقدمها نحو القوة والتمكن، وتصديها للسيطرة الإسلامية، وانتزاعها السيطرة تدريجيًا من المسلمين حتى انتهت باحتلال العالم الإسلامي وإزالة الدولة العثمانية .. وفي أثناء ذلك كله يظهر تفوق"الحضارة الأوروبية"وجدارتها باحتلال مكانتها، والسيطرة على العالم.

وما نقول إن هذا لم يحدث .. فهو واقع تاريخي مشهود!

ولكن عرضه بهذه الصورة يذهب بالدرس التربوي من جهة، ويعطي -كما أسلفنا- نتائج"علمية"خاطئة، توحي بأن الإسلام قد استنفد أغراضه التاريخية، كما استنفد طاقته الإيجابية، ولم يعد صالحًا لدور جديد يؤديه، وأن أوروبا -بذاتها- أمة حضارية تقدمية إيجابية جديرة بأن تحكم الأرض .. وأن قدر المسلمين أن يرضوا بواقعهم الذي آلوا إليه لأنه"حتمية تاريخية"ويتعلموا أن يعيشوا في داخل الإطار الحضاري الغربي إن أرادوا لأنفسهم الحياة!

ما أبعد الشقة بين هذه الرؤية"الظاهرية"وبين الحقائق الداخلية للأشياء!

إن تخلف المسلمين حقيقة .. ولكن ما علاقتها بالإسلام؟!

لقد تخلف المسلمون عن الإسلام، فكان من جراء ذلك تخلفهم العلمي والمادي والحربي والاقتصادي والسياسي والفكري والأخلاقي حين تحول الإسلام في نفوسهم إلى أسماء بلا مسميات، وشعارات وتقاليد خاوية من الروح.

أما الإسلام فهو منهج دائم لتحرير الناس من الوهم والخرافة، وتحريرهم من العبودية لشهواتهم وأهدافهم، وتحريرهم من عبودية بعضهم لبعض عن طريق التشريع، ولإقامة الحق والعدل في الأرض، والجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ..

وهو بهذه الصورة لا يبلى، ولا يُسْتَنْفد، ولا يجيء يوم يصبح فيها متخلفًا عن الركب، ولا تسبقه في يوم من الأيام التصورات الجاهلية الفاسدة التي هي -في أي صورة من صورها- استكبار عن عبادة الله، واتخاذ آلهة من دون الله، يكون اسمها العلم، أو الوطن، أو التكنولوجيا، أو"المودة"أو الرأي العام أو"النظام العالمي"أو أي اسم من هذه الأسماء التي يستعبد الناس لها في الأرض من دون الله.

(1) انظر إن شئت"لمحات من التاريخ"من كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر"ص135 - 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت