الصفحة 19 من 142

أما المسلمون فهم يتخلفون، حين يتخلون عن حقائق الإسلام وإن تمسكوا بمظاهره وشعاراته وبعض تقاليده. وهنا تدركهم السنة الربانية، فيزول عنهم التمكين في الأرض.

أما أوروبا فيحيط"بنهضتها"عدة حقائق ينبغي أن تكون واضحة للدارس المسلم.

الأولى: أن أغلب مؤثرات هذه النهضة مستمدة من الإسلام، نتيجة الاحتكاك بالمسلمين احتكاكًا سلميًا ثقافيًا أو حربيًا في الحروب الصليبية.

الثانية: أنها نهضى عرجاء منحرفة بسبب نبذها للدين وبعدها عنه، وأن التفوق العلمي والتكنولوجي الكاسح فيها لا يمكن أن يخفي مخازي الاستعمار، والفساد الخلقي، وتدمير الفطرة البشرية، والجنوح بالبشرية كلها إلى الدمار إذا استمرت في"التقدم"على الخط الذي تسير عليه اليوم، ولم تعد عودة صادقة إلى الله.

الثالثة: أن التمكين لأوروبا اليوم يجري بسنة من سنن الله:

(كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) [1] .

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) [2] .

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) [3] .

ولكن هذا التمكين لا يعطي شهادة صلاحية للحضارة الغربية، لأن الله يمكن للمفسدين رغم فسادهم، في الوقت الذي لا يمكّن للمسلمين إلا إذا استقاموا على الطريق .. ومن ثم فإن التمكين للمسلمين يمكن اعتباره شهادة صلاحية لهم -في الفترات التي يمكنون فيها- أما بالنسبة لغير المسلمين فهو جار على السنة الأخرى: سنة التمكين للكفار والفجار والطواغيت وكبار المجرمين، بقدر ما يجتهدون في اتخاذ الأسباب!

الرابعة: أن هذه الحضارة -بشهادة أصحابها- آيلة للسقوط بسبب تركيزها على الجانب المادي وإهمالها عنصر الروح الذي يربطها بالله، ويرفعها من الانتكاس.

وهذه المعاني كلها -سواء بالنسبة لضعف المسلمين وترديهم إلى الهاوية حين نكلوا عن رسالتهم وصاروا غثاء كغثاء السيل، أو بالنسبة للغرب وتمكنه الحالي -تحتاج كما أسلفنا إلى عناية خاصة في معالجتها عند إعادة كتابة التاريخ، لإخراج الأجيال الحاضرة من الفتنة التي تعرّضهم لها الكتابات الموجهة من قبل أعداء هذا الدين.

أما الجولة الأخيرة من حياة هذه الأمة، التي نطلق عليها اسم"واقعنا المعاصر"فربما كانت أحوج الفترات جميعًا لإعادة كتابتها، لكثرة ما دس فيها من عوامل التشويه، والتوجيهات السامة التي يقصد بها التدمير ..

ربما كان أخطر السموم المبثوثة في الكتابات المعاصرة:

أولًا: الإيحاء المسموم الذي أشرنا إليه آنفًا، من أن الإسلام قد استنفد أغراضه واستنفد طاقته، ولم يعد صالحًا لأداء دور جديد للمسلمين أنفسهم، فضلًا عن البشرية"المتحضرة!"التي تجاوزت الإسلام وصارت إلى ما هو أعلى منه!!

ثانيًا: أنه لم يكن أمام المسلمين خيار إلا أن يظلوا تحت الحكم الإسلامي في ظل الشريعة والدولة العثمانية، وعندئذ يظلون غارقين في ظلمات الجهل والرجعية والتخلف، أو أن ينبذوا الحكم الإسلامي، ويحتفظوا بالإسلام -إن أرادوا! - عقيدة وعبادة، ويتخذوا الحضارة الغربية العلمانية منهج حياة لهم! وأن المسلمين قد أخذوا بالخيار الثاني لينقذوا أنفسهم من الضياع .. وحسنًا فعلوا!!

ثالثًا: تبني التيارات الهدامة الوافدة مع الغزو الفكري، من وطنية وقومية واشتراكية وعلمانية، وتمجيد أصحابها وتصويرهم في صورة الأبطال المصلحين، بقدر ما يحيدون عن الإسلام، بل بقدر ما يحاربون الإسلام!

(1) سورة الإسراء: 20.

(2) سورة هود: 15.

(3) سورة الأنعام: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت