الصفحة 87 من 142

إنه هنا تختلف"القيم"، وبالتالي تختلف"الحضارات"..

وحين نأخذ هذه النقطة في الاعتبار، تبدو الفروق التي يركز عليها الباحثون في"الحضارات"-من طرز معمارية، أو طرق لبناء المدن، أو ملابس، أو أوان، أو أثاث، أو حلي، أو زخارف- ثانوية جدا، وهامشية جدا بالنسبة لذلك السؤال الرئيسي: هل حقق الإنسان غاية وجوده؟ وما غاية وجوده؟

وليس المقصود أن نهمل في دراساتنا تلك الجوانب أو نلغيها من حسابنا، ولكنا -على وجه اليقين- لن نعطيها العناية التي يعطيها إياها دارسو الحضارات الذين يدرسون على مناهج الغرب في الوقت الحاضر ..

إن غاية الوجود البشري في حس الغرب مختلفة اختلافًا أساسيا عن الغاية التي حددها الله ورسوله في هذا الدين.

فالإنسان في حس الغرب قد خلق لأمرين رئيسيين، ليثبت وجوده في"صراع البقاء"، وليستمتع بما في الأرض من متاع.

وأحيانا تغالط أوربا نفسها وتزعم أن حضارتها ذات صلة بالدين! فتتمحك بالمسيح، وتسمي حضارتها"الحضارة المسيحية Christian Civilization"وليس هناك ما هو أكذب من هذا على الواقع! فالمسيح عليه السلام قد دعا للترفع عن متاع الأرض من أجل خلاص الروح، وقال:"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن أراد أن يأخذ ثوبك فأعطه الرداء أيضا!"وما أبعد الواقع الأوربي عن دعوة المسيح عليه السلام. فهي لا تدير خدها الأيسر لمن ضربها على خدها الأيمن، بل هي تضرب، وتنهب، وتسلب، وتغتصب برغبة عدوانية خالصة دون أن يمسها أحد! إنها ليست وريثة دعوة المسيح، إنما هي وريثة الجاهلية الرومانية التي تسعى إلى القوة لتذل بها الآخرين وتقهرهم، وتستعبدهم لمصالحها الخاصة، والتي تسعى إلى تزيين الحياة الدنيا بكل زينة من أجل أن تغرق في المتاع! والذين يقولون عن الحضارة الغربية المعاصرة إنها إغريقية رومانية Greco- Roman هم أصدق بكثير، وأصرح بكثير، من الذين يزعمون لها أي صلة بالمسيح عليه السلام ..

وكونها إغريقية رومانية في أساسها، هو الذي رشحها أن تتقبل التفسير الحيواني للإنسان الذي ابتدعه دارون، وأن تتبنى للإنسان فكرة صراع البقاء التي فسر بها دارون حياة الحيوان وسلوكه. ورشحها كذلك أن تفسر المتاع ذلك التفسير الحيواني الذي تمارسه في الفوضى الجنسية التي تعيشها في وسائل إعلامها وفي واقع حياتها.

ولقد قال دارون إن الإنسان حيوان متطور. ولكنه ركز تطوره في أمرين رئيسيين: كبر دماغه بعد أن استقام في وقفته على قدميه، فصار رأسه معتمدا على الجذع وليس معلقا في الفضاء، فأتيح لمخه أن يكبر، فنطق، وزاد ذكاؤه. وتطور إبهام يده بصورة مكنته من الإمساك بالأدوات واستخدامها فيما يدفعه ذكاؤه إلى عمله ..

وإذا كان هذا هو الإنسان، وتلك أهدافه .. فالتفسير الغربي للتاريخ والحضارة يركز على أمرين رئيسيين: أدوات الصراع، وأدوات المتاع ..

كان الحيوان يصارع بقوته الجسدية. أما الحيوان المتطور -الذي صار إنسانا- فهو يستخدم عقله كذلك، ومن ثم تغيرت أدوات الصراع إلى سياسة وحرب وعلم وتكنولوجيا ..

وكان الحيوان يمارس المتاع بجسده صرفا. أما الحيوان المتطور -أي الإنسان- فهو يستخدم"الفن"إلى جانب الممارسة الجسدية البحتة ليحقق المتاع ..

وهكذا يكن التركيز في دراسة"الحضارات"عند الغرب على القوة السياسية والقوة الحربية والتقدم العلمي والتقدم التكنولوجي، وعلى طرز العمارة والملابس والأواني والحليّ والزخارف .. إلخ.

أما هذا الدين فله في هذه القضايا كلها موقف آخر ..

فأما غاية الوجود البشري فقد حددها الله سبحانه وتعالى تحديدا واضحا في كتابه الكريم:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [1] .

ويفصل الله في كتابه المنزل تلك العبادة ويوحض أبعادها، فهي ليست شعائر تعبدية فحسب، بل شيئا يشمل كل الحياة:

(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ .. ) [2] .

(1) سورة الذاريات: 56.

(2) سورة الأنعام: 162 - 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت