الصفحة 86 من 142

أنشأوا علوما جديدة لم تكن لها أصول سابقة كعلم الجبر مثلا، وعلم الخرائط الجغرافية (وهذا بالإضافة إلى علومهم الدينية الخاصة التي لا مثيل لها بطبيعة الحال عند غيرهم من الأمم كعلوم القرآن وعلوم الحديث والفقه والأصول .. الخ) .

ثالثا: ما أشرنا إليه آنفا من أن الحركة العلمية الإسلامية نشأت في ظل العقيدة على غير خصام معها. وأن هذه المزية التي تفردت بها الحركة الإسلامية هي المنهج الصحيح في العلم، الذي استمده المسلمون من منهجهم الرباني، فسعدت به البشرية حينا من الزمان غير قصير. وأن البشرية حين فقدت ذلك المنهج الصحيح -في واقعها المعاصر- شقيت كثيرا واضطربت أحوالها، وأصابها التمزق النفسي والاضطراب العصبي، وأصبحت كما جاء في المثل القرآني:"رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ"وأن ما حققته الحركة الإسلامية من الشمول والتوازن والترابط ليس قضية تاريخية انتهت بانتهاء تلك الأجيال النشيطة من المسلمين. إنما هو منهج لكل البشرية، ولكل الزمن. وأنه كلما كانت تلك الأجيال من المسلمين رائدة في ذلك الأمر -ككل أمر- فإن الصحوة الإسلامية المعاصرة مكلفة أن تبرز هذا المعنى -من خلال الممارسة العملية- في وجه الجاهلية المعاصرة التي اختلت موازينها فضلت وأضلت، وأشقت البشرية. ومكلفة -من خلال النموذج العملي والقدوة الواقعية -برد البشرية إلى صوابها في هذا الأمر -ككل أمر- وأن هذا جزء من رسالتها تسأل عنه أمام الله يوم القيامة:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [1] .

وبهذا وذاك لا ندرس الحركة العلمية الإسلامية كجزء من التاريخ انتهى ولم يعد له اليوم وجود، وإنما كمنهج دائم، مارسناه ذات يوم، ونحاول استعادته في واقعنا المعاصر، وندعو البشرية كلها أن تفيء إليه. وبذلك تخرج الحركة من"متحف التاريخ"إلى واقع الحياة، ومن كونها"ذكرى"تبهت كلما مر عليها الزمن، إلى رسالة جادة للحاضر وللمستقبل من أجل رقي البشرية.

والذي قلناه عن الحركة العلمية الإسلامية يصلح بذاته لوصف الحركة الحضارية الإسلامية.

إن كثيرا من المستشرقين تكلموا عن الحضارة الإسلامية في العهد العباسي في المشرق، وفي الأندلس وصقلية وغيرهما من البلاد الأوربية التي دخل فيها الإسلام وحكم البلاد فترة من الوقت.

ولكن عن أي شيء يتكلمون، ثم ننقل نحن عنهم ما يكتبون؟

إن أهم ما في الحضارة -أية حضارة- ليس هو عدد المدن التي بناها أصحاب تلك الحضارة، ولا الطرق التي شقوها، ولا الصناعات التي برعوا فيها .. وإن كان هذا داخلا بطبيعة الحال في مفهوم الحضارة، ويحدث التفاوت فيه بين أمة وأمة، وتختلف الدرجات.

إنما الحضارة القيم .. فبالقيم تنشأ الحضارات، وبالقيم تعيش، وحين تفقد القيم تئول إلى السقوط.

ولكن الغرب بصفة عامة حين يتكلم عن الحضارة Civilization يتكلم عن الجوانب المادية الحسية أكثر، وبترك القيم للكلام عن الثقافة culture، على خلاف بين الكتاب والمؤرخين عندهم في مدى العلاقة بين هذه وتلك، ومدى التداخل بينهما.

أما نحن فيجب أن تكون لنا معاييرنا الذاتية المستمدة من مفاهيم هذا الدين ..

إن العمارة المادية للأرض مطلوبة، وهي جزء من مهمة الخلافة المنوطة بالإنسان في الأرض، وترد إليها إشارات واضحة في كتاب الله. وإذا قصر الإنسان فيها -وهو قادر- فهو مقصر في تكليف مطلوب منه.

ولكن العبرة ليست بتلك العمارة المادية التي قد يتساوى فيها الكافر والمؤمن، بل قد يتفوق فيها الكافر على المؤمن أحيانا لتركيزه جهده كله في الحياة الدنيا وزينتها:

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) [2] .

إنما العبرة"بالإنسان".. هل حقق غاية وجوده؟ وما غاية وجوده؟

(1) سورة البقرة: 143.

(2) سورة هود: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت