الصفحة 85 من 142

والإسلام هو الذي بعث المسلمين لطلب العلم أولا، ثم إلى النظر العملي الواقعي لاستخلاص الحقائق.

فالتوجيهات القرآنية المتكررة إلى الكون المشهود، وما يجري في داخله من حركة الليل والنهار والأفلاك والسحاب والمطر والرعد والبرق والنبات والحيوان وخروج الحيّ من الميت وخروج الميت من الحي كان مقصودا بها توجيه الحس البشري أولا إلى عظمة الخالق وقدرته، وصدور الكون كله عن مشيئته، خضوعه لإرادته وهيمنته، بما يقرر أنه الخالق الذي لا خالق غيره، ومن ثم فهو صاحب الأمر الذي لا أمر لأحد سواه: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [1] . وإذن فلا إله غيره ولا معبود يستحق العبادة سواه.

ثم كان المقصود بتلك التوجيهات كذلك حث الإنسان على التعرف على هذا الكون، للاستفادة مما سخّر الله للإنسان منه في عمارة الأرض وتزيينها وتجميلها:

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [2] .

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [3] .

(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [4] .

(وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ، وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَاسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) [5] .

(أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [6] .

إلى عشرات من هذه الإشارات في القرآن الكريم، تحث الإنسان على النظر في ملكوت السموات والأرض، والتعرف على هذا الكون، والتعرف على قدرة الله من خلاله، والتوجه إلى تسخير ما يعرفه الإنسان من مكنونات هذا الكون في تعمير الأرض:

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [7] .

وهذه التوجيهات وأمثالها هي التي دفعت المسلمين ابتداء إلى طلب العلم، ثم أدت بهم إلى عدم الاقتصار على العلم النظري الفلسفي الذي وجدوه عند الإغريق، بل اتجهوا بالبحث إلى الناحية العملية التطبيقية فأنشأوا المنهج التجريبي في البحث العلمي، وساروا به خطوات فتقدم على أيديهم الطب وعلم وظائف الأعضاء والفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات ذلك التقدم الذي تشهد به مراجع التاريخ.

ثانيًا: أن الحركة العلمية الأوربية الحديثة تستمد كل أصولها من الحركة العلمية الإسلامية. ولا ينفي هذا أن أوربا بذلت جهدًا علميًا فائقًا توصلت به إلى آفاق لم يكن يحلم بها الإنسان من قبل، وأن الجلد والمثابرة وعبقرية التنظيم كانت كلها مؤهلات إيجابية عند أوربا مكنتها من الوصول إلى تلك الآفاق. ولكن الذي ينبغي تسجيله أنه بمثل هذا الجهد تفوق المسلمون في وقتهم، ووصلوا في آفاق من العلم كانت تعد في زمنهم فتوحا عظيمة، مع فارق لحساب المسلمين يجب التنويه إليه، أن أوربا حين بدأت نهضتها العلمية وجدت رصيدا جاهزا استمدت منه وبنت عليه، سواء في منهج البحث أو في العلوم ذاتها، بينما المسلمون حين بدأوا لم يكن لديهم مثل هذا الرصيد في منهج البحث وإنما أنشأوه إنشاء من عند أنفسهم بتوجيه دينهم، كما

(1) سورة الأعراف: 54.

(2) سورة الإسراء: 12.

(3) سورة البقرة: 189.

(4) سورة الرعد: 3 - 4.

(5) سورة النحل: 80 - 81.

(6) سورة النمل: 60 - 61.

(7) سورة هود: 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت