الآلهة لإثبات ذاته! وبمقدار ما يَعْصي تلك الآلهة يكون إثباته لذاته! كما تقرر أساطير تلك الجاهلية أن"العلم"كان نهبة انتهبها الإنسان من الإله على كره منه، لأنه -أي الإله- لا يريد للإنسان أن يشاركه في"المعرفة"بل يريد أن يختص بها وحده! [1] .
ومن صحوة هذه الروح في النفس الأوربية كما يقول جوليان هكسلي في كتابه"الإنسان في العالم الحديث"أحس الأوربي الحديث -كما أحس سلفه الإغريقي القديم- بأن العجز والجهل وحدها هما اللذان أخضعا الإنسان في الماضي لله، والآن وقد تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يحمل على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر العجز والجهل على عاتق الله، ومن ثم يصبح هو الله! [2]
ومن هاتين الحماقتين معا نشأ العداء الحاد بين الدين والعلم في الغرب، فقامت حركة علمية جبارة، ولكنها في خصام مع العقيدة، تنفر من ذكر الله وتضع بدلا منه الطبيعة! [3] وتنفر من ذكر الدين في أي حديث عن العلم، وتعتبر ذلك خلطا لا يجوز!
(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [4] .
ولما كان العلم -بنظرياته وتطبيقاته- ذا جاذبية عنيفة للعقول والنفوس، وذا ضغط واقعي هائل، بما يحدثه في الحياة العملية من تيسيرات وما يقدمه من خدمات، فقد انتهى الأمر -كما كان لا بد أن ينتهي- إلى نبذ الدين جملة وعبادة العلم! ونبذ ما يحيط بالدين وينبثق منه من قيم روحية وأخلاقية، بل استعمل العلم ذاته وسيلة لنشر الفساد ونشر الإلحاد!
أي نعمة إذن تتمثل في قيام حركة علمية كاملة وشاملة، لا نقول في غير عداء مع العقيدة، بل في ظل العقيدة وبدافع منها؟!
أي راحة وطمأنينة يحسها الإنسان مع تلك الحركة وهو يشبع رغبته الفطرية في المعرفة في ذات الوقت الذي يشبع فيه رغبته الفطرية في عبادة الله؟!
أي شعور بالتوحد والتجمع والترابط النفسي والعقلي والروحي يملأ نفس الإنسان حين يتعبد وهو عالم، ويتعلم وهو عابد، فلا يحس بالحيرة والتمزق حين يدخل المسجد وعلومه في رأسه، أو يدخل المعمل التجريبي وذكر الله في قلبه؟!
ألا إنها نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا من يتأمل حال الناس في ظل الجاهلية المعاصرة التي تمزق كيان الإنسان، وصدق عمر رضي الله عنه وهو يقول بفكره الثاقب:"لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية"!
ثم إن قيام الحركة العلمية الإسلامية في ظل العقيدة وبدافع منها، ومن قاعدة أن طلب العلم"فريضة"يتقرب بها الإنسان إلى الله، قد صان هذه الحركة عن أن تستخدم في إفساد العقيدة أو إفساد الأخلاق كما تستخدم الحركة العلمية القائمة اليوم في الغرب، سواء في تقديم نظريات"علمية!"تنفي صدور الخلق عن الخالق! أو أخبار"علمية!"تزعم أن الإنسان خلق خلية حية! أو فلسفات"علمية!"تسخر من الدين والأخلاق، ومن فكرة"الثبات"في القيم على الإطلاق! كما أن جو"الفريضة"التي يُعبَد بها الله، ويتقرب بها إليه، قد منع أن يستخدم العلم الإسلامي في التدمير والشر، كما يستخدم اليوم علم الذرة الذي وهبه الله للإنسان، فإذا هو يستخدمه -أول ما يستخدمه- في نشر الخراب الشامل والدمار الرهيب، وكما تستخدم جيوب منع الحمل في نشر الفاحشة وإفساد اخلاق!
نعمة لا تقدر قدرها في كل ما يكتب عن الحركة العلمية في كتب المستشرقين وكتب"المستغربين"!
ونحن في كتابتنا للتاريخ الإسلامي من جديد يجب أن ننبه بتركيز واف إلى مجموعة من الحقائق:
أولا: أن المسلمين هم الذين أنشأوا المنهج التجريبي في البحث العلمي بتوجيه من الإسلام.
فلا العرب قبل الإسلام كانوا أمة علم تعنى بالبحث العلمي واستخلاص الحقائق العلمية منه، ولا العلم الإغريقي الذي وجده المسلمون حين انبعثوا -بوحي الإسلام- يطلبون العلم كان علما تجريبيا مبنيا على الملاحظة والاستنباط وإجراء التجارب المعملية. إنما كان علما نظريا فلسفيا معنيا باستخلاص الكليات النظرية أكثر من عنايته بإجراء التجارب على الواقع الملموس.
(1) راجع في الأساطير اليونانية أسطورة بروميثيوس سارق النار المقدسة!
(2) انظر كتاب جوليان هكسلي"الإنسان في العالم الحديث"Man in the Modern World من منشورات الألف كتاب بوزارة التعليم العالي بالقاهرة سنة 1957.
(3) يقول دارون"الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق".
(4) سورة الزمر: 45.