لقد قامت هذه الحركة على عداء مع الكنيسة منذ البدء، وعداء مع الدين. والمراجع الأوربية ترجع هذا العداء إلى خوف الكنيسة على نفوذها حين ينتشر العلم وتنحسر الخرافة، فقد كانت الخرافة هي التي أعطت رجال الدين ذلك السلطان الرهيب على قلوب الناس. كما ترجعها إلى أن العلم قد خالف ما جاء في التوراة من معلومات عن تاريخ الكون، وعن أن الأرض منبسطة لا كروية، وأن الأرض -لا الشمس- هي مركز الكون .. فقامت الكنيسة تهدد المخالفين لعلمها"المقدس"بالتحريق والتعذيب والقتل إن أصروا على ما يقولون، وعلى رأسهم كوبرنيكوس (كوبرنيق) وجوردانوا برونو وجاليليو، فنشأ الصراع منذئذ بين العلم والدين.
وهذا الذي تقوله المراجع الأوربية صحيح. ولكن هذه المراجع تسقط عمدا -ولأسباب مفهومة- سببا رئيسيا من أسباب ثورة الكنيسة على الحركة العلمية في بدء النهضة، وهو أن تلك الحركة كانت في الحقيقة مستمدة ومنقولة من المدارس الإسلامية في الأندلس والشمال الأفريقي والمشرق الإسلامي، ومن كتب العلم الإسلامية التي كانت قد بدأت تترجم إلى اللاتينية -لغة العلم في أوربا يومئذ- وكانت تحمل معها روح الإعجاب الشديد بالإسلام والمسلمين، ومن ثم خشيت الكنيسة من انتشار النفوذ الإسلامي مع الحركة العلمية، فهاجت هيجتها وقامت بما قامت به من الأعمال الوحشية لوقف ذلك النفوذ [1] .
وأيا ً تكن الأسباب فقد وقع العداء بالفعل بين العلم والدين في أوربا، وسار كل منهما في طريقه، وتمزق بينهما كيان الإنسان، فقد أصبح لزاما عليه إن أراد العلم أن يترك الدين، وإن أراد الدين أن يترك العلم، بينما الدين والعلم كلاهما من خطوط الفطرة السوية. فالرغبة في عبادة الخالق فطرية، والرغبة في المعرفة فطرية. كلتا النزعتين أوجدهما الخالق العليم الخبير في نفس الإنسان ليقوم بمهمة الخلافة في الأرض:
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) [2] .
(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [3] .
(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [4] .
(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا .. ) [5] .
وحين يكون الإنسان على فطرته السوية في أحسن تقويم كما خلقه الله، تكون هاتان النزعتان الفطريتان عاملتين معا في داخل النفس وفي واقع الحياة، فيؤمن الإنسان بعالم الغيب، ويبذل نشاطه في عالم الشهادة بلا تعارض ولا تناقض ولا انفصال:
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [6] .
(اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [7] .
ولكن حماقة الكنيسة الأوربية بذرت الشقاق والنزاع بين هاتين النزعتين الفطريتين فأفسدت جانبا كبيرا من كيان الإنسان، ثم جاءت الحماقة الأخرى حين صحت في النفس الأوربية مع بدء النهضة جذور الجاهلية الإغريقية القديمة، التي كانت في أساطيرها تنشئ صراعا حادا بين الله (أو الآلهة) وبين الإنسان، وتصور العلاقة بينهما علاقة عداء مستحكم، الآلهة تريد أن تبطش بالإنسان -المتطلع إلى مشاركة الآلهة في سلطانهم! - والإنسان يصارع
(1) يجب علينا نحن المسلمين عند إعادة كتابة التاريخ أن نبرز هذه الحقيقة بمقدار ما تخفيها المراجع الأوربية، لأنها جزء من تاريخنا نحن في الحقيقة.
(2) سورة الأعراف: 172.
(3) سورة الروم: 30.
(4) سورة النحل: 78.
(5) سورة البقرة: 31.
(6) سورة الملك: 15.
(7) سورة الجاثية: 12 - 13.