وتلك من عجائب هذا الدين التي لم تكرر في غيره.
فلو أن نظاما في الأرض أصابه ما أصاب الدولة الإسلامية من عثرات وضربات لانتهى من الوجود، كما انتهت كل"إمبراطوريات"الماضي في ظروف أقل شدة .. وكما انتهت في الحديث الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية والإمبراطورية الروسية لأسباب أقل حدة.
إنما يكمن السر في أن الإسلام ليس مجرد نظام سياسي تسنده قوة مادية. إنما هو قبل كل شيء عقيدة ينبثق منها نظام .. وذلك فارق أساسي ينبغي الالتفات إليه والتركيز عليه، في مقابل موقف الجاهلية المعاصرة من الدين، وإصرارها على إقامة الحياة بعيدا عن الدين، والسياسة بصفة خاصة، والزعم بأن هذا هو الأصوب والأفضل لبني الإنسان! وفي مقابل فتنة المخدوعين من"المسلمين"بالأنظمة العلمانية الحديثة، والظن بأنها أكثر أصالة وثباتا ونفعا من الإسلام!
كلا! إن الأنظمة التي لا تستند إلى الدين -وخاصة تلك التي تعادي الدين- هشة مهما بدا من صلابتها الظاهرية، وعرضة للانهيار السريع حين تتراكم فيها الأمراض -والترف بصفة خاصة- لأنها صناعة بشرية بحتة، بأفكارها ومعتقداتها وممارساتها وتطبيقاتها، فليس لها ما تستند إليه من القيم الثابتة التي يرجع إليها البشر حين تأخذهم الدوامات وتفقدهم صوابهم!
أما أصحاب العقيدة فليسوا كذلك .. فهناك دائما ما يشدهم -ويسندهم- حين تأخذهم الدوامات، فلا يذهبون بعيدا ما دام الحبل مشدود إلى أوساطهم، ويظلون يقاومون فلا تهلكهم الدوامة ولا تبتلعهم في طياتها. وذلك فضلا عن كون العقيدة أمرا يلتزم به كل فرد التزاما ذاتيا لا علاقة له بالدولة ولا بالسلطة، لأنه ميثاق بينه وبين الله. ومن ثم يمكن أن تفسد السلطة الحاكمة -لفترة غير قصيرة- دون أن يفسد الناس، ويظل المجتمع متماسكا بما بينه وبين الله من مواثيق العقيدة، وإن تحللت الدولة وتراخت قبضتها على الناس.
صحيح أنه على مر الزمن لا بد أن يتأثر المجتمع بفساد الحكم، لأن التفلت من التكاليف طبع بشري. ولله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال عثمان رضي الله عنه. فإذا اختل السلطان لفترة طويلة فإن النفوس الضعيفة التي كان وازعها السلطان وحده تفقد وازعها فتنحرف. وحين يزيد الانحراف دون إصلاح تنفذ في الناس سنة الله ..
ولكن الذي يسترعي الانتباه في تاريخ الإسلام هو أن المجتمع الإسلامي ظل متماسكا فترة طويلة رغم انحراف الحكم العباسي، وأنه حين انهارت الدولة في النهاية بعد أن تراكمت الانحرافات فيها عدة قرون، لم تكن"الأمة الإسلامية"هي التي انهارت، إنما بقي في الأمة من الرصيد ما أنشأ دولة جديدة مكان الدولة المنهارة، ظلت تحمل الإسلام ورسالته عدة قرون .. ولذلك توضع الفترة العباسية دائما في فترة المد الإسلامي، ولا توضع في فترة الانحسار، على الرغم من كل ما حدث فيها من انحرافات.
قلنا إن الفترة العباسية كانت فترة حركة موارة في كل اتجاه، وإن أبرز ما فيها كان الحركة العلمية والحركة الحضارية.
وقد كتب الكثير سواء في الكتب العربية أو كتب المستشرقين عن هاتين الحركتين في العصر العباسي. ولكنا نحسب أن هناك نقطة هامة في كلتا الحركتين لم تأخذ حظها من التقدير، لأن كتب المستشرقين خاصة لا تشير إليها، ومن ثم يغفلها كذلك الذين ينقلون عنهم ويتأثرون طريقتهم من المؤرخين"العرب".
إن المستشرقين يعالجون كلتا الحركتين -في معظم كتاباتهم- على أنهما حلقة من حلقات التاريخ البشري، زاهية، نعم. ثرية، نعم. متعددة الجوانب، نعم. باهرة في منجزاتها، نعم ولكنها -ككل حلقة أخرى من حلقات التاريخ البشري- نشاط بشري متوقد، لمع فترة من الزمن ثم خبا، وأخذ دوره -كغيره- في ركن من أركان متحف التاريخ!
والذي نريد أن نبرزه بصفة خاصة ليس هو مقدار الثراء في كلتا الحركتين، ولا عظم إنجازاتهما، بقدر ما هو صلة كلتا الحركتين بالإسلام .. فهذا الذي يميزهما، ويجعلهما متفردتين، سواء وقت نشاطهما المتوقد، أو بعد أن أصبحا جزءا من ذاكرة التاريخ.
فحين نقول عن الحركة العلمية الإسلامية إنها بدأت بالتتلمذ على علم الإغريق (وغيرهم ممن كان عندهم شيء من العلم) ثم سرعان ما التقطت الحاسة العلمية فصارت لها أصالتها العلمية، فبدأت تصحح ما وجدته من أخطاء في العلم الإغريقي، ثم بدأت تضيف علما جديدا لم يكن قائما ولا معروفا من قبل، وإن أبرز إنجازاتها كان هو المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي قام عليه التقدم الحديث كله في ميدان العلوم .. لا نكون قد قلنا كل شيء عن تلك الحركة الفذة، ولا نكون قد قلنا شيئا عن ميزتها الكبرى التي تفردت بها بين الحركات العلمية في التاريخ.
إنما الذي تفردت به أنها انبثقت من العقيدة، ونمت وترعرعت في ظل العقيدة، ولم يحدث قط صراع بينها وبين العقيدة، وتلك المزية هي التي لا نقدرها حق قدرها، والتي نرى ضرورة إبرازها حين نعيد كتابة التاريخ.
ومن أجل أن ندرك قيمة هذه المزية، بل قل هذه النعمة التي تفردت بها الحركة العلمية الإسلامية، فلننظر إلى الحركة العلمية المعاصرة في الغرب.