"الخلفاء"ابتدعوا بدعة حمقاء، هي أن يدعوا من اليهود والنصارى في مجالسهم من يقوم بإطراء دينه ومهاجمة الإسلام، ثم يدعوا علماء المسلمين ليردوا عليهم دعاواهم ويفحموهم!!
ولما كان المنطق والفلسفة هما الأداة المستخدمة في لاهوت اليهود والنصارى، فقد كان على علماء المسلمين أن يجيدوهما ليدحضوا كلامهم بذات الأدوات التي يستخدمونها هم في عرض عقيدتهم.
وقد كان ..
ولكن"اللوثة"أصابت أولئك"المثقفين"فألفوا"لاهوتا إسلاميا"يعرضون فيه العقيدة الإسلامية ممثلا في علم الكلام! وكان هذا هو المزلق الخطير الذي رشح لظهور الفرق الزائغة عن الإسلام!
وينبغي لنا ونحن ندرس انحرافات تلك الفترة أن نبرز ذلك المعنى، وهو أن الإسلام لم يكن في حاجة -بعد البيان القرآني الناصع الواضح المبين -أن نلجأ إلى الفلسفة- إغريقية أو غير إغريقية- لبيان عقيدته، فنعقّدها وهي واضحة، ونغشّي عليها وهي وضاءة، ونولّد فيها مشاكل ذهنية لا وجود لها في الأصل، لنشغل أنفسنا بحلها بعد أن نوجدها! إنما كان ذلك من جراء الغزو الفكري اليوناني الذي جاء بغير قصد في أثناء البحث عن العلوم.
وأخيرا وليس آخرا جاء انحراف الصوفية ..
لقد جاء التصوف رد فعل لكثير من الانحرافات في آن واحد.
رد فعل للترف بادئ ذي بدء .. فإن المتطهرين الذين أرادوا أن ينجوا بأنفسهم من فساد المجتمع وتحلله، قد اعتزلوا ذلك المجتمع الفاسد ولجأوا إلى"الذكر"يرضون به عواطفهم الدينية، ويبتعدون به عن الدنس والأقذار.
ورد فعل كذلك لجفاف الدراسات الفقهية من ناحية، وجفاف علم الكلام بمعاظلاته الذهنية من ناحية أخرى، فإن"التخصص العلمي"قد قسم الدين إلى تخصصات يكاد ينفصل بعضها عن بعض تمام الانفصال. فالفقه -وهو بطبيعته علم عقلاني -تخصص قائم بذاته، منفصل في دراسته عن الجوانب السلوكية التي تشعر بتكامل هذا الدين وشموله، ودارسوا العقيدة على طريقة علم الكلام، أو على طريقة الذين يناقشون انحرافات علم الكلام مناقشة ذهنية فلسفية -ليردوا عليهم بمنطقهم- لا يجدون في دراستهم نداوة العقيدة وشفافيتها وإشباعها لتطلعات الوجدان الحي وحاجة الروح. فتظل جوعة الروح قائمة يبحث طلابها عن ملجأ لإشباعها، فتقدم لهم الصوفية ذلك الملجأ، فينخدعون فيه، ويظنونه هو الملاذ!
والعامة بصفة خاصة -حين فقدون إشباع وجدانهم الديني عند الفقهاء، وعند علماء العقيدة العقلانيين- ما أسهل أن ينزلقوا إلى الصوفية يجدون عندها ما يخيل إليهم أنه مهرب دافئ من برودة الدراسات ذات الصبغة العقلية الجافة، وبرود من يتصدون لتعليم العقيدة من خلال قضايا علم الكلام ومعاظلاته الذهنية ..
وأيا كانت الأسباب التي أدت إلى انتشار الصوفية فهي انحراف من أخطر ما وقع في العالم الإسلامي من انحرافات، سواء من ناحية الأفكار الإلحادية الهندية والفارسية التي تسربت إليها كنظرية الحلول ووحدة الوجود، أو من ناحية سلبيتها وتواكلها وقعودها عن العمل الإيجابي في واقع الحياة.
وحين تراكمت هذه الانحرافات وبلغت مداها خلال أربعة قرون أو خمسة، جاء الصليبيون، ثم جاء التتار!
هنا -مرة أخرى- قد يظن ظان أن الإسلام قد انتهى ولم يعد له وجود.
ولك الحقيقة لم تكن كذلك ..
فمن ناحية كانت داخل هذه القرون التي حدثت فيها تلك الانحرافات حركة حية موارة في كل اتجاه، نخص بالذكر منها الحركة العلمية الإسلامية، والحركة الحضارية الإسلامية، وهما حركتان فريدتان في التاريخ.
ومن ناحية أخرى لم تكن الهزائم المتكررة التي أصابت المسلمين في الشرق والغرب، وقضت على الدولة الإسلامية في الأندلس وعلى الخلافة العباسية في بغداد، نهاية الوجود الإسلامي في الأرض، بل كانت عثرات في الطريق، تبعتها انطلاقة جديدة تمثلت في الدولة العثمانية، وما قامت به من جهود جبارة في التحرك بهذا الدين في فجاج الأرض، ونشره في أوربا خاصة.