الصفحة 80 من 142

وفي هذا الجو الموبوء عاث الفرس فسادا بشعرائهم وأدبائهم وخلعائهم ومتحلليهم وزنادقتهم لفتنة المجتمع الجاد عن جدية الإسلام ورفعة أهدافه، وشغله بسفاسف الأمور، وشغله عن صفاء عقيدته بالعقائد المنحرفة.

لقد حقد الفرس على الإسلام، وعلى العرب الفاتحين حقدا شديدا كظموه في ظاهر الأمر، ولم يجدوا مجالا لتنفيسه في العهد الأموي. ولكن الفرصة أتيحت لهم على نطاق واسع في العصر العباسي.

لقد كانوا يعتبرون أنفسهم أعلى وأشرف وأكثر علما وحضارة من العرب. وكان بعض العرب في الجزيرة خاضعين لنفوذهم العسكري والسياسي. فلما جاء الإسلام، وجاء الفتح الإسلامي، أزال ملك كسرى الذي كانوا يعتزون به، وأخضع البلاد للفتح الإسلامي -العربي- فكبر ذلك عليهم وأسروا الحقد في قلوبهم، وتمنوا زوال الإسلام -إلا من أسلم صادقا وأخلص للعقيدة الصحيحة ونزع من قلبه عبادة النار وعبادة الشيطان .. ولكن الضغط الذي مارسه الأمويون عليهم لم يدع لهم مجالا للتحرك ضد الإسلام. فلما جاء"الانقلاب العباسي"آزروه ودخلوا في ثناياه، لا حبا في العباسيين ولكن انتقاما من الأمويين، ووجدوا عن هذا الطريق وسيلة يثبتون بها أقدامهم، وينفّذون ما أضمروا في أنفسهم من الفساد في المجتمع الإسلامي.

انظر إلى مهيار الديلمي [1] -المسلم- يفخر بفارسيته أضعاف فخره بالإسلام:

أعجبت بي دون باقي حيّنا ... أم سعد فمضت تسأل بي ...

لا تخالي نسيا يخفضني ... أنا من يرضيك عند النسب ...

قومي استولوا على الدهر فتى ... ومشوا فوق رءوس الحقب ...

عمموا بالشمس هاماتهمو ... وبنوا أبياتهم في الشهب ...

وأبي كسرى على إيوانه ... أين في الناس أب مثل أبي! ...

قد أخذت المجد عن خير أب ... وأخذت الدين عن خير نبي ...

فجمعت المجد من أطرافه ... سؤدد الفرس ودين العرب!

فما بال الزنادقة أمثال بشار بن برد وأبي نواس ومن لف لفهما من الشعراء والأدباء، وما بال تجار الطرب وتجار اللهو والشراب؟!

ثم كانت فتنة الغزو الفكري الثقافي الإغريقي متمثلا في المنطق والفلسفة وما أدي إليه من ظهور الفرق وعلم الكلام.

إنه لون من الترف .. الترف العقلي إن صح التعبير ..

فحين يفرغ الناس من المشاغل الجادة، ويجدون في أنفسهم فضلة من طاقة، يصرفونها فيما دون الجد من الأمور .. حتى ينتهي بهم الأمر في الأخير إلى موت الطاقة ذاتها والإخلاد إلى الضياع.

جاءت العدوى من دراسة المسلمين للغة اليونانية (واللاتينية) من أجل التعرف على العلم الموجود عند البيزنطيين [2] .

وفي الطريق عثروا على الفلسفة الإغريقية والمنطق الإغريقي فظنوهما أداة نافعة يمكن أن يفيدوا بها الإسلام. وسرعان ما أصبح التمنطق والتفلسف هو"مودة"العصر! ولم يعد"المثقف"يعتبر مثقفا حتى يكون قد اطلع على المنطق الإغريقي والفلسفة وتكلم بهما في المجالس! وزاد الأمر سوءا أن

(1) شاعر فارسي عاش في العصر العباسي الثاني.

(2) سنتكلم عن الحركة العلمية بعد قليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت