الصفحة 79 من 142

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [1] .

إنه كالحمض الأكال الذي ينخر في جسم المادة فيذهب بصلابتها، فتصبح هشة سهلة القصف، أو تصبح لينة لا قوام لها في الصدام.

وقد كانت وفرة المال في أيدي الناس في الدولة العباسية هي الباب المؤدي إلى الترف بطبيعة الحال. ولكن هذا -كما قلنا من قبل- يفسر ولا يبرر. فإنه لا يوجد تبرير لمعصية الله.

وقد جاء المال بوفرة نسبية على أيام عمر رضي الله عنه ولكنه تصرف بشأنه بما يمنع الفساد، فمنع الصحابة رضوان الله عليهم من الخروج للتجارة حتى لا تتكون منهم طبقة تملك المال في أيديها وتملك السلطان"الأدبي"على الناس، فيحدث التميز وتفسد الأحوال، فضلا عن احتمال إصابتهم هم أنفسهم بالترف وهم هيئة المشورة إلى جانب الخليفة، فتفسد مشورتهم حين تترهل نفوسهم. وإلى جانب ذلك -وقبل ذلك- أخذ عمر رضي الله عنه نفسه وأهل بيته بالشدة الحازمة، حتى لا يكونوا قدوة سيئة أمام الناس، فيفسد الناس!

أما حين يترك المال بدون تصرف معين من ولي الأمر، يسمح بالنفع ويمنع الضرر، فإنه لا بد أن يؤدي إلى نتائجة المحتومة حسب السنة الإلهية، لا لأن المال في ذاته هكذا يصنع، ولكن لأن الجهد البشري المطلوب لإصلاح الآفة لم يبذل فتنفرد الآفة وحدها بالسلطان. وآفة المال الترف. وعلاجها في يد ولي الأمر، بالتصرف في المال الزائد عن الحد في يد الأغنياء بما يعود على الفقراء بالخير، ويعود على الأمة كلها بالنفع، وينشر روح الجد في المجتمع، وبإعطاء القدوة من نفسه لبقية الناس. أما حين يترك في أيدي الناس بلا ضابط -مع وجود فئة تعمل جاهدة على إفساد أخلاق المجتمع وروحه كما فعل الفرس [2] - فالنتيجة هي ما قررته السنة الربانية التي جاء بيانها في كتاب الله.

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [3] .

والترف مُعْد ككل آفة .. فحين لا يعالج ولا يوقف فإنه ينتشر ولا بد. وحين يكون مبتدؤه في قصور الخلافة فأمره أسوأ، لأن الحكام دائما قدوة.

وقد كان الأمويون -برغم وجود الترف بينهم- أقل فسادا بالمال من العباسيين، لأنهم كانوا أكثر انشغالا بتثبيت دولتهم من ناحية، وبالجهاد في سبيل الله من ناحية أخرى. فأما العباسيون فبعد أن استتب لهم الملك أخذ الترف يسري بينهم سريعا، خاصة بفعل الحاشية الفارسية المفسدة المتعمدة للفساد [4] . ومن قصور الخلافة انتقل الترف بالعدوى إلى قصور الأمراء والوزراء، ثم قصور التجار الذين وصل دخلهم من التجارة العالمية إلى ملايين الدنانير. وشيئا فشيئا غلب الفساد على عاصمة الخلافة في بغداد .. وشيئا فشيئا كذلك تبعتها العواصم الإسلامية الأخرى في دمشق والقاهرة وغيرها من العواصم، بما تصفه قصص ألف ليلة وليلة، مع احتساب الزيادات والتهويلات التي يمكن أن يضيفها إلى الواقع خيال الفنان. فقد يكون ما كتب عن قصور الخلفاء العباسيين مبالغا فيه إلى حد كبير (وهو أمر ينبغي تمحيصه وخاصة بالنسبة لهارون الرشيد الذي شوهت صورته عمدا في كتب التاريخ الشيعية من ناحية وكتب المستشرقين من ناحية أخرى وهو الذي يروي عنه أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا .. فأنى له اللهو والعبث الذي وصف به!) وقد يكون الخيال قد لعب فيه دورًا"فنيا"ثم أدخل في التاريخ على أن وقائع تاريخية وليس أقاصيص مكتوبة لتسلية الناس وإمتاعهم بالغرائب .. كل ذلك جائز. ولكن الترف -كحقيقة تاريخية- أمر لا شك فيه. وسريانه -بالعدوى- من قصور الخلفاء والأمراء والوزراء إلى قصور التجار والأغنياء أمر كذلك لا شك فيه. وانتشار مجالس الطرب والشراب في تلك القصور أيضا حقيقة تاريخية.

هذا واحد من الانحرافات الطارئة في المجتمع العباسي، وهو من أخطرها، ولكنه ليس وحده الخطير.

فقد جاءت الفتوحات الإسلامية الواسعة بسبايا حرب من الشقراوات"الفاتنات!"من صقلية وإيطاليا وغيرهما من"بلاد الروم"، وألحق منهن بقصور الخلفاء والأمراء عدد غير يسير، وهنّ يهوديات أو نصرانيات لم يسلمن، وبقي في صدورهن الكيد لهذا الدين، واتخذن من قصور الخلفاء والأمراء مجالا لهذا الكيد، أهونه شغل الخلفاء والأمراء بهن عن شئون الدولة العليا، فتتسلم هذه الشئون منهم أيد غير أمينة وغير مأمونة، وأخطره إثارة الخلافات والشقاقات في الأسرة الحاكمة، وإثارة المطامح التي تنتهي بقيام الأمراء بحرب بعضهم بعضا، واستخدام جيوش الإسلام في هذه النزاعات المنحرفة بدلا من استخدامها في الجهاد في سبيل الله ..

ثم كانت هناك فتنة أخرى تتعلق بالجواري، هي فتنة"الجواري المغنيات"اللواتي أصبحن من أدوات الطرب في القصور المترفة، وصار تعليمهن الغناء وتدريبهن على الموسيقى صنعة من صناعات المجتمع العباسي الرابحة، تدر على أصحابها الألوف ومئات الألوف، وقد تدر الملايين إذا صادفت إحداهن هوى في قلب واحد من كبار الفارغين المترفين!

(1) سورة الإسراء: 16.

(2) سيأتي الحديث عن دور الفرس في إفساد الأخلاق في المجتمع العباسي.

(3) سورة الروم: 41.

(4) سيأتي الحديث عن دور الفرس في إفساد الأخلاق في المجتمع العباسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت