وأيا كان الأمر فقد جاء العباسيون، فيما يمكن أن نسميه"الانقلاب العباسي"، فأخذوا"سوابق"بني أمية في عالم السياسة على أنها أصول مرعية، بل أضافوا إليها من عند أنفسهم إضافات!
إن خط الانحراف يبدأ دائما قريب الصلة بالخط المستقيم، فالناس لا يتقبلون الطفرة سواء في الإفساد أو الإإصلاح! وإنما تزداد الزاوية انفراجا، ويزداد خط الانحراف بعدا عن الأصل كلما مر الزمن دون إصلاح.
وإنه من أجل هذا جعل الله خيرية هذه الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أساس من الإيمان بالله:
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [1] .
لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأدلة العملية لحفظ المجتمع من الانحراف، ولإصلاح الأمر ورده إلى الصورة الصحيحة إذا وقع الانحراف بالفعل.
ومن أجل ذلك أيضا جعل الله اللعنة على الأمة الملعونة لعدم قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [2] .
وقد أسلفنا أن المجتمع على عهد الأمويين -بتأثير الفتنة أولا، ثم بتأثير عنف بني أمية في ضرب المعارضين- قد أخذ ينصرف تدريجيا عن مراقبة أعمال الحكام والأخذ على أيديهم حين يخطئون. فلا عجب أن يزداد الانحراف في العصر العباسي، وأن يزداد الناس انصرافا عن طلب الإصلاح.
الانحرافات الثلاثة التي وقعت من بني أمية بقيت، وزادت سوءا: الملك العضوض بدلا من الخلافة العادلة -البحبحة في بيت المال- العنف في ضرب المعارضين. ثم جدت انحرافات جديدة لم يكن لها وجود في عهد الأمويين، كان من أبرزها الترف الذي أخذ يَغشى قصور الخلفاء ثم الأمراء والوزراء ثم التجار والأغنياء ثم أفراد الشعب في المدن في النهاية ..
كان الأمويون -رغم تحويلهم الخلافة إلى ملك- يحرصون على أن يختاروا أصلحهم ليتولى الحكم. فأما العباسيون فقد جعلوا الوراثة بالدور، حتى إذا جاء الدور على طفل ولوه!
أما العنف، فريما يكفي في بيان حقيقته ومداه أن يطلق على مؤسس الدولة لقب"السفاح"من كثرة ما سفك من الدماء!
وأما البحبحة في بيت المال فالأمثلة فيها أكثر من أن تحصى، فكم من مرة جاء أحد المتسكعين من الشعراء المداحين، الذين أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُحثى في وجوههم التراب، جاء ليمتدح الخليفة ببضعة أبيات فقال الخليفة: أعطوه مائة ألف!!
مائة ألف من بيت مال المسلمين، المحدد المصارف بنص صريح من كتاب الله! وكم من مرة غنت إحدى المغنيات [3] "صوتا"أعجب الخليفة وهو ثمل أو غير ثمل فقال: أعطوها مائة ألف أو أكثر أو أقل! ثم زادت ثم زادت بدعة جديدة هي إنشاء"بيت مال خاص"تتجمع فيه وفورات أموال الخليفة مما يستولي عليه من الموارد العامة، ثم لا ينفق منه الخليفة -على الأقل- على الشعراء الذين يمتدحونه بأشعارهم أو المغنيات اللائي يطرب لغنائهن، إنما يُنْفَق على تلك المعاصي من بيت مال المسلمين، ويظل بيت المال الخاص يتضخم عاما بعد عام!
تلك هي الانحرافات التي أسسها بنو أمية، ولم تكن في وقتهم بادية الخطر لأن حجمها كان ضئيلا، و"الظروف"تشكل ستارا تختفي وراءه المخالفات .. ولكنها حين بقيت بغير إصلاح من رقابة الأمة -التي كلفها الله بالأمر بالمروف والنهي عن المنكر، وجعل خيريتها مرتبطة بذلك الأمر -زاد حجمها واتسع، حتى أخذت مداها في دولة العباسيين.
أما الانحرافات الطارئة فقد كان في مقدمتها ذلك الترف المدمر الذي أشرنا إليه آنفا، والذي لا يصيب أمة من الأمم ثم تبقى على تماسكها وترابطها وجديتها. لذلك يكره الإسلام الترف ويحذر منه أشد التحذير:
(1) سورة آل عمران: 110.
(2) سورة المائدة: 78 - 79.
(3) سيرد ذكر الجواري المغنيات بعد قليل.