وإنه مجتمع متعبد .. [1] .
فما الذي تغير من هذه السمات في المجتمع الإسلامي في عهد الأمويين؟
أما الهبوط عن مستوى الذروة فقد حدث ولا شك على درجات متفاوتة في بعض أفراد المجتمع، أو قل -إن شئت- في كثير منهم. ولكنا أوضحنا من قبل أن هذا لا يعتبر في ذاته انحرافا، إنما هو الأمر المتوقع بعد غياب شخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك المجتمع، وبعد زوال أثر النشأة الجديدة من نفوس الناس، فنحن الآن لسنا في العهد الذي شهد التحول العظيم من الجاهلية إلى الإسلام، إنما في العصر الذي يليه. ولكن فلنذكر جيدا تزكية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك الجيل من الناس:"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" [2] . فنحن إذن ما زلنا مع القرون المفضلة. وليس بعد شهادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهادة من بشر!
صحيح أننا الآن مع المستوى"العادي"للإسلام، ولكنا بينا أن ذلك المستوى رفيع في ذاته، وإن لم يكن على مستوى الذروة التي وصل إليها الجيل الفريد، وأنه يحقق للناس من الخير حين يلتزمون به ما لا يحققه نظام آخر. والذي تحقق للناس على عهد الذروة لم يكن الخير مجردا، إنما كان درجة مثالية من الخير غير معهودة في حياة البشر. والحق أنه قد بقي في مجتمع بني أمية أفراد على ذلك المستوى الرائع، بل لم يخل جيل من أجيال المسلمين كلها -حتى في عصر الانحطاط- من نماذج متفرقة على ذلك المستوى الرفيع، إنما الملحوظ أن كثافة تلك النماذج في مجتمع الذروة كانت فذة بصورة غير عادية، ثم ظلت تخف تدريجيا مع مرور الزمان ..
ولكن يجب علينا -من باب الأمانة للحق- أن نقول إن شيئا ما قد حدث في ذلك المجتمع، بتأثير الفتنة أولا، ثم بتأثير العنف الذي مارسه الأمويون في ضرب المعارضين، ذلك هو التضاؤل التدريجي في اشتغال الأمة بالرقابة على أعمال الحاكم، وتقديم النصيحة له، والأخذ على يده حين يخطئ كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والانصراف التدريجي إلى الشئون الخاصة، سواء كانت أداء للشعائر التعبدية، أو ضربا في مناكب الأرض وراء الرزق، وهو بدء منزلق خطير سترى آثاره واضحة فيما تلا ذلك من العهود [3] .
إن خطورة الانحرافات السياسية التي وقعت من بني أمية، والتي أخذت تنعكس رويدا رويدا على المجتمع المسلم في عهدهم، لا تكمن في"درجة"تلك الانحرافات، فلم تكن درجتها خطيرة بالقياس إلى الأحداث التي وقعت في ذلك الحين، وكانت تبدو في نظر كثير من الناس مستساغة بالقياس إلى تلك الأحداث، أو على الأقل لها ما يبررها. ولكن الخطورة فيها أنها أصبحت"سوابق"تؤخذ كأنها أصول مرعية في سياسة الحكم! يجيء كل حاكم -إلا من رحم الله- فيسير فيها على نهج سلفه، مبررا لنفسه الأمر بأنه هكذا فعل أسلافه حين آلت إليهم السلطة، فلا حرج عليه أن يفعل كما فعلوا .. بل لا حرج عليه أن يزيد!
لذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" [4] .
لقد كان من قدر الله أن الفتنة عاجلت المجتمع المسلم وهو بعد في بدايته، فلم يتح للمثل الإسلامية الرفيعة في عالم السياسة أن تتأصل بحيث تصبح هي"السوابق". وهي"الأصول المرعية"التي يأتي كل حاكم فيسير على نهجها ويحافظ عليها .. ومن ثم اعتبرت كأنها تصرفات خاصة، تستمد نبلها من نبل الأشخاص الذين قاموا بها، وهم الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم، بينما هي في حقيقتها"أصول إسلامية"منصوص عليها نصا صريحا في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولئن كان للخلفاء الراشدين نبالاتهم الخاصة في تطبيقها، فذلك -كما قلنا- بأنهم أخذوا المندوبات والمستحبات كأنها فروض ملزمة، فالتزموا بها واجتهدوا في الوصول بها إلى أقصى الغاية. ولكن ذلك لا ينفي أنها أصول إسلامية، وأن الأسس التي قامت عليها فروض ملزمة للحاكم المسلم، وليست متروكة للتطوع النبيل.
لقد ألجأت الفتنة المسلمين إلى الأخذ بفقه"الضرورة". وفي الإسلام -كما في كل نظام للحكم بين الناس- فقه يستخدم للضرورة. ولكن الضرورة حالة استثنائية تزول بزوال مسبباتها، ويعود الناس إلى الأصل.
وليس المأخوذ على بني أمية أنهم استخدموا فقه الضرورة حين دعت إليه الحاجة عقيب الفتنة، إنما المأخوذ عليهم أنهم -فيما عدا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه- جعلوا الاستثناء كأنه الأصل، رغم حالة الاستقرار النسبي التي أدى إليها استخدام فقه الضرورة في مبدأ الأمر. فنسي الناس الأصل، أو اعتبروه نبلا خاصا من الخلفاء الراشدين، وليس أمرا أساسيا في سياسة الحكم في الإسلام.
(1) راجع ص114 - ص117 من الكتاب.
(2) أخرجه الشيخان.
(3) نقرر للأمانة التاريخية أن الانشغال بالجهاد ظل حيا في النفوس، وأن الحكم الأموي حرص على إحيائه وتغذيته.
(4) أخرجه مسلم.