الصفحة 74 من 142

وإنما الذي يؤاخذ عليه بنو أمية وغيرهم -كما أسلفنا- هو الانحراف عن هذا المستوى الملزم إذا هبطوا عنه. وقد حدث هذا الانحراف بالفعل، فما حجمه؟ وما أثره في التطبيق الواقعي للإسلام على عهد بني أمية؟

يكفي أن نسجل فقط حركة الانسياح الإسلامي في الأرض، التي تمت في عهد بني أمية، لندحض كل وهم بأن الإسلام قد انتهى بعد عهد الخلفاء الراشدين!!

إن حركة الفتح الإسلامي ليست مجرد توسع في الأرض، ولا يجوز النظر إليها بهذا الاعتبار.

إنما هي أكبر حركة"هداية"للناس في التاريخ، وأكبر حركة إخراج للناس من الظلمات إلى النور، وقد يبدو هذا الكلام في حس"المثقفين"لأول وهلة مجرد تشابه مع دعوى كل"دولة عظمى!"أنها نشرت الحضارة في الأرض، وأن حركتها التوسعية كانت من أجل نشر تلك الحضارة!

فلننظر إذن في تاريخ"الإمبراطوريات"في القديم والحديث: الإمبراطورية الفرعونية. الإمبراطورية الآشورية. الإمبراطورية الفينيقية. الإمبراطورية الرومانية. الإمبراطورية الفارسية. الإمبراطورية الهندية. الإمبراطورية الصينية .. الإمبراطورية البريطانية. الإمبراطورية الفرنسية. الإمبراطورية الأمريكية. الإمبراطورية الروسية .. إلى آخر تلك الإمبراطوريات الجاهلية التي يعج بها تاريخ الأرض ..

كيف قامت أولا؟ وماذا نشرت في الأرض؟

فأما قيامها على التسلط بالقوة، وقهر الآخرين وإذلالهم، وإخضاعهم لسيطرة الدولة الأم، وتحويلهم خدمًا لتلك الدولة الأم يمدونها بالرجال المقاتلين، ويمدونها بمختلف الخيرات لتنتفش هي وتشبع وتتخم على حساب الجائعين المقهورين الأذلاء، فأمر لا أحسبه يحتمل المراء ..

وأما الذي نشرته في الأرض فلا مراء كذلك في أنها نشرت بعض الخير، ونشرت إلى جانبه كثيرًا من الفساد، لأن حياتها هي ذاتها -وهي لا تهتدي بمنهج رباني- لا تشتمل إلا على بعض الخير والكثير من الفساد، وكل إناء ينضح بما فيه، وفاقد الشيء لا يعطيه!

ولقد تبدو الحضارة الغربية القائمة اليوم استثناء من هذا العموم الذي ذكرناه! فنود أن نذكّر المخدوعين بها بما كان من فظائع الاستعمار الذي صاحب تلك"الحضارة"، من احتلال أراضي الشعوب بالقوة ونهب خيراتها وإذلال أهلها، وأن نذكرهم كذلك بأن آخر إفرازات هذه الحضارة، الذي يسمى"النظام العالمي الجديد"إن هو إلا نوع جديد من الطغيان تمارسه الدول القوية على الدول الضعيفة، ومن أبرز"مآثره"التخطيط للتحكم في الدول المنتجة للبترول لحساب الدول الغربية القوية المتحكمة، وذلك باستنزاف هذا البترول في مدة أقصر، وطرحه في الأسواق بسعر أقل، لكي تزداد الدول الطاغية غنى ويزداد الفقراء فقرا وذلا وضياعا باسم"النظام العالمي الجديد"! ومن مآثره كذلك إمداد إسرائيل بكل وسائل العدوان وحرمان الدول العربية من إمكانية صدّ العدوان!

وأما أصحاب الرسالات السماوية السابقة من اليهود والنصارى فماذا نشروا في الأرض؟

فأما اليهود فقد حولوا دينهم إلى عصبية خاصة ببني إسرائيل، لا يحبون نشره في الأرض لكي يبقى الإله خالصا لهم لا يشاركهم فيه أحد من الناس! وأما النصارى فمنذ بولس وهم يسعون إلى نشر دينهم على نطاق واسع. فأي شيء نشروا؟

لقد نشروا باديء ذي بدء دينا وثنيا بدلا من الدين الرباني الذي أنزله الله على عيسى ابن مريم. دينا يعبد فيه عيسى وروح القدس جبريل عليه السلام مع الله:

(لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) [1] .

(لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) [2] .

(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) [3] .

(1) سورة المائدة: 72.

(2) سورة المائدة: 73.

(3) سورة آل عمران: 79 - 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت