ونشروا دينا يدعو إلى الرهبانية وإهمال الحياة الدنيا واحتقار الجسد ودوافعه، فنشأ عنه تعطل دفعة الحياة وإهمال عمارة الأرض، ثم نشأ رد فعل أسوأ: انكباب على لذائذ الجسد وماديات الحياة!:
(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [1] .
ونشأ مع ذلك الدين نظام كهنوتي يتمثل في الكنيسة ورجالها وعلى رأسهم البابا، يمارس ألوانا من الطغيان البشع في جميع نواحي الحياة، ويعادي الفكر ويحجر على العقل، ويضطهد العلماء ويمنعهم من البحث العلمي التجريبي أو النظري، فتأخرت الحياة في كل جانب، ثم حدث رد فعل أسوأ، تمثل في الإلحاد وإقامة الحياة على مبعدة من الدين، بل في عداء مع الدين!
وهكذا تحولت رسالة السماء على يد الكنيسة إلى غير ما نزلت من أجله، ونشرت الفساد بدلا من الإصلاح، سواء في الفترة التي كانت تمارس سلطانها على الناس، أو في الفترة التي انقلب فيها الناس على سلطانها ورفضوا الخضوع للدين!
وفي مقابل ذلك كان الانسياح الإسلامي في الأرض شيئا فريدا في التاريخ .. شيئا غير التوسع"الإمبراطوري"الذي مارسته الجاهليات القديمة والحديثة، وغير الطغيان المفسد الذي مارسته النصرانية المحرفة وهي تتوسع في الأرض ..
في تلك الحركة الفريدة في التاريخ كان المسلمون ينشرون الهدى في مكان الضلال. ينشرون النور في مكان الظلام. ينشرون العبودية الصحيحة لله في مكان العبوديات الزائفة للحكام والكهنة والأوثان. ويحررون المستعبدين في الأرض، ويردون إليهم إنسانيتهم الضائعة، ويرفعونهم إلى المكان اللائق"بالإنسان"
وكانوا ينشرون قيما من العدل والأخوة والتسامح والتكافل لا عهد للبشرية بها من قبل ولا رأتها من بعد في غير الإسلام.
وينشرون حضارة حقيقية شاملة شامخة، لا يستأثرون بها لأنفسهم، بل يفتحون أبوابها لكل مسلم في الأرض، بل يستظل بظلها النصارى في الأندلس وشرق أوروبا، واليهود في مختلف بلاد العالم الإسلامي، والوثنيون عباد البقر في الهند، وكل من أراد أن يتعلم أو يمارس الحياة دون عدوان .. [2]
لم ينهب المسلمون خيرات البلاد المفتوحة، ولم يستذلوها ليتمتعوا بالسلطان، ولم يحافظوا عليها متأخرة متدنية ليبرروا استمرار"سيادتهم"عليها واستعلاءهم على أهلها .. إنما دعوهم أولًا إلى الخير -وهو الإسلام- فإن استجابوا فهم إخوة في الدين. وإن أبوا طلبوا منهم جزية تدل على عدم مقاومتهم للخير المنزل من السماء أن يصل إلى قلوب الناس صافيا بلا غبش .. فإن أبوا هذا وذاك فعندئذ يقع القتال، لا لإكراه أحد على اعتناق الإسلام، إنما لإزالة"مراكز القوى"التي تمنع الحق أن يصل إلى الناس على حقيقته .. فإذا أزيلت مراكز الطغيان، وزال تأثيرها على النفوس، ترك الناس أحرارا في ظل الإسلام، يعتنقون ما يشاءون [3] .
إن حركة الفتح الإسلامي: دوافعها، وخصائصها، وآثارها الواقعية لهي فصل أساسي في كتاب التاريخ الإسلامي، لا بد أن يعالج باستفاضة لدحض مزاعم المستشرقين ومن يتتلمذ عليهم من"المؤرخين العرب" [4] ... وإن كنا نوردها هنا من زاوية معينة: هي دلالتها على مدى عمق الوجود الإسلامي في نفوس الأمة التي تتحرك به، فلن تتحرك به أمة هذه الحركة الواسعة السريعة الفعالة المؤثرة وهي نفسها خاوية منه، أو غير ممتلئة به حتى أعماقها!
وأول ما يسقط من دعاوى المغرضين في هذا الشأن -لفرط هشاشته- قول من قال إن الدوافع الاقتصادية هي التي دفعت حركة الفتح الإسلامي! إن الذي تدفعه الدوافع الاقتصادية لا يخرج ليدعو الناس -أول ما يدعوهم- إلى الإسلام! فإن أسلموا ألقى سلاحه وعانقهم كما يعانق الأخ أخاه! وأخذ يعلمهم تعاليم الإسلام ليشاركوه في الخير الرباني الذي هداه الله إليه! ويحهم! كم يفترون الكذب على التاريخ!
(1) سورة الحديد: 27.
(2) انظر في هذا إن شئت كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر"فصل"أمة التوحيد بين الماضي والحاضر"-لمحات من التاريخ ص135 -ص177.
(3) راجع بالذات من بين الصفحات المشار إليها آنفا ص153 - 163 من فصل"أمة التوحيد بين الماضي والحاضر".
(4) مما يؤسف له أن يتتلمذ مؤرخون"مسلمون"على أعداء هذا الدين، ينقلون عنهم، ويتعصبون لأقوالهم، غير شاعرين بما يبثه هؤلاء من السموم!.