وشهادة الواقع تكفي ..
ولكن الذي نريده هنا هو محاولة تحديد حجم ذلك الانحراف بالقياس إلى ما بقي سليما من الصورة.
لقد حدث دون شك هبوط عن الذروة التي كانت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين من بعده. وهذا الهبوط عن تلك الذروة هو ذاته أحد أسباب الوهم الذي يتجسد في أذهان بعض الناس من أن الإسلام قد انتهى منذ ذلك الحين!
فنحب أن نقرر باديء ذي بدء أن تلك الذروة -بكل روعتها- لم يكن يفترض أن تدوم في الأرض كثيرًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن وجوده بشخصه عليه الصلاة والسلام كان عاملا مهما فيها، كما أن أثر النشأة الجديدة كان عاملا مهما فيها كذلك، وهما عاملان -بطبيعتهما- لا يتكرران ولا يدومان! [1]
ونحب أن نقرر كذلك أن الجيل الذي ارتفع إلى تلك الذروة قد ارتفع إليها تطوعا لا تكليفا، وأن الله لم يفرض على البشر أن يرتفعوا إلى تلك القمم الشاهقة فرضا، وإن كان قد حبب إليهم ذلك بكل تأكيد. وإنما ارتفع ذلك الجيل الفريد إلى تلك الذروة بأنه أخذ المندوبات والمستحبات كأنها فروض، وألزم بها نفسه تطوعا لا تكليفا.
ونضرب بعض الأمثلة التي توضح ذلك ..
لقد قرر الله أخوّة المؤمنين بعضهم لبعض فقال جل شأنه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [2] وفرض التكافل بين القادرين وغير القادرين فرضا عن طريق الزكاة، وترك ما فوق ذلك للتطوع بقدر ما تجود به النفس. أما الذين قال الله فيهم: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [3] فقد تطوعوا من عند أنفسهم بدرجة أعلى من تطوع القادرين، فهم لم يتطوعوا عن سعة بعد أن استكفوا لأنفسهم، بل آثروا على أنفسهم مع كونهم في حالة خصاصة، وتلك قمة لا يقدر عليها كل الناس، ولم يفترضها الله على أحد من الناس!
وقرر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن"الحلال بين والحرام بين، وبينهما متشابهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه" [4] فوجه المسلمين إلى اتقاء الشبهات. أما الذين قالوا عن أنفسهم:"كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام"فقد تطوعوا من عند أنفسهم بما لم يفرضه الله ولا رسوله، تقربا إلى الله وحبا في مغفرته ورضاه ..
وبهذا وذاك وأمثاله تفرد ذلك الجيل الفريد .. ولكنا لا نحاسب أحدا بمقتضى ذلك التطوع النبيل. ولا نحاسب بني أمية ولا بني العباس ولا آل عثمان ولا غيرهم من الحكام بتلك القمم الشاهقة التي وصل إليها أفراد في المجتمع المسلم في عهد الذروة، كان على رأسهم الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم. إنما نحاسبهم بما فرضه الله عليهم فرضا، وجعل النكول عنه ذنبا يساءلون عنه أمام الله يوم القيامة، فيغفر سبحانه لمن يشاء ويؤاخذ من يشاء.
أي أننا لا نحاسب بني أمية -ولا غيرهم- بعدل عمر رضي الله عنه، ولكن نحاسبهم بما وقع في"الملك العضوض"من مظالم لا يرضى الله عنها. ولا نؤاخذهم بعفة الخلفاء الراشدين -الخمسة- [5] في التعامل مع بيت مال المسلمين، ولكن نؤاخذهم بتأولهم الفاسد في الإنفاق من بيت المال لتأليف قلوب الناس لحكمهم ولأشخاصهم بينما قرر الله أن يكون الإنفاق من الزكاة لتأليف القلوب للإسلام. ونؤاخذهم بضرب كل المعارضين بالعنف، بينما كان بعض المعارضين يحتجون على مخالفات بني أمية ولا يسعون إلى الحكم لمجرد إزاحة بني أمية عن السلطان، وكان العلاج الصحيح للأمر هو عدول بني أمية عن أخطائهم لا ضرب المعارضين الذين احتجوا على تلك الأخطاء.
خلاصة القول إذن أن الهبوط عن مستوى الذروة الأولى لا يعتبر في ذاته انحرافا، إنما هو الأمر الطبيعي المتوقع بعد غيبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبعد أن ينتهي أثر النشأة الجديدة في نفوس الناس، ولا يؤدي ذلك الهبوط كذلك إلى انتهاء الإسلام من الأرض، فقد جعل الله في المستوى العادي للإسلام -أي الذي يلتزم بما فرضه الله فرضا ولا يزيد عليه -سعادة أهل الأرض جميعا لو أنهم اتبعوه والتزموا به، بما لا يتحقق من أي نظام جاهلي يجري تطبيقه في الأرض، وجعل جزاءه في الآخرة هو الجنة.
(1) راجع إن شئت فصل"نظرة إلى الجيل الفريد"من كتاب"واقعنا المعاصر".
(2) سورة الحجرات: 10.
(3) سورة الحشر: 9.
(4) أخرجه الشيخان.
(5) كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه شديد الحساسية تجاه بيت المال. فقد كان يجلس في الليل لقضاء حوائج المسلمين وقد استضاء بشمعة من يبت المال، فدخل عليه ابنه يحدثه، فلما تبين أنه جاء يحدثه في أمر خاص أطفأ الشمعة لكي لا تستهلك في أمر خاص!!