الصفحة 72 من 142

وجعل مقياس إنسانية الإنسان مدى التزامه بهذه الضوابط وتزكية نفسه بالتزامها:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [1] .

وجعل الجزاء الأخروي مرتبطا بهذه التزكية أو التدسية، المرتبطة بدورها بالالتزام -أو عدم الالتزام- بالضوابط الربانية:

(فَأَمَّا مَن طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى) [2] .

وتلك كلها معايير إسلامية، نسقطها حين نأخذ كل تفسير على أنه تبرير، كما يفعل التفسير المادي للتاريخ، والتفسير الغربي (الليبرالي) ، وكلاهما يسقط القيم الروحية والقيم الأخلاقية من حسابه، وهو أمر يجب أن نتحاشاه ونحن نقدم للناس التفسير الإسلامي للتاريخ سواء فيما يتعلق بتاريخ الإسلام أو تاريخ البشرية عامة [3] .

وسنجد حين نلتزم بتلك الضوابط جميعا أننا نستطيع أن نفسر ونبرز كثيرًا من أعمال معاوية التي قام الشيعة والسبئيون بتشويهها لهوى في أنفسهم. ولكنا لا نستطيع أن نبرر كل ما فعله معاوية، دون أن نجني على قيم إسلامية أصيلة.

وليست القضية شهوة في تجريح معاوية، ولا شهوة في الدفاع عنه وتبرئته .. فكلتاهما حَيْدٌ عن الطريق.

إنما القضية هي الأمانة الواجبة لهذا الدين قيمه ومعاييره، والرسالة التي نزل ليؤديها في حياة الناس.

فلنحرص على تكريم الأشخاص الذين يستحقون التكريم، ولكن فلنحرص أكثر على بيان نقاء هذا الدين ورفعته، ورفضه لأي انحراف يقع في التطبيق.

والبشر يخطئون ... (كل بني آدم خطاء) [4] ويغفر الله بواسع رحمته لمن يشاء من عباده، ولكن تظل قواعد الدين ومعاييره ثابتة لا تُلْوي مجاملة لمن يخطئ أو ينحرف في التطبيق.

ثم إنه يجب علينا أن نتذكر أن ما ينطبق على شخص معاوية وظروفه لا ينطبق بالضرورة على شخص يزيد وظروفه [5] ! ولا ينطبق بالضرورة كذلك على بقية حكام بني أمية، بحيث تصبح براءة معاوية مما نسب إليه كله أو بعضه شهادة تبرئة لكل حكام بني أمية بالتبعية! لا لأننا نجامل معاوية دون يزيد أو غيره، ولكن لأن ظروف الفتنة التي جاء فيها معاوية غير ظروف الاستقرار النسبي التي جاء فيها الآخرون، ولأن تصرفات معاوية أقرب إلى الانضباط بضوابط الإسلام من تصرفات من خلفوه، فيما عدا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، الذي ضاقوا به ذرعا لشدة تمسكه بضوابط الإسلام! وكون حكام بني أمية في عمومهم أكثر حنكة في أمور السياسة من غيرهم لا يبرر لهم ما أخطأوا به في حق الإسلام! وهكذا ينبغي أن يكتب تاريخهم بلا تحامل ولا محاباة.

على أن الأمر الذي يجب التركيز عليه كثيرا هو الحجم الحقيقي للانحراف الذي وقع في عهد بني أمية بالقياس إلى ما بقي من حقيقة هذا الدين في عالم الواقع.

إن هناك -كما أشرنا مرارا من قبل- وهْما يُجسِّم عن قصد وغير قصد، مفاده أن الانحراف الذي وقع في عهد بني أمية -فضلا عما بعده- قد قضى على هذا الدين! وهو وهم يكذبه الواقع! وأبسط ما يقوله الواقع أن هذا الدين ما زال باقيًا في الأرض إلى هذه اللحظة -بدليل الصحوة الإسلامية- بعد وقوع انحرافات بني أمية بأريعة عشر قرنًا على وجه التقريب!

(1) سورة الشمس: 7 - 10.

(2) سورة النازعات: 37 - 41.

(3) انظر تفصيل إن شئت في كتاب"حول التفسير الإسلامي للتاريخ".

(4) سبقت الإشارة إليه.

(5) يدافع كثير من الناس عن يزيد لتبرير اختيار معاوية له وليا للعهد، لا اقتناعا منهم بأن يزيد بريء مما يريدون تبرئته منه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت