الصفحة 71 من 142

تلك مجمل الانحرافات التي وقعت في العهد الأموي ..

ولكننا حين نعيد كتابة هذه الفترة ينبغي أن نكون على بينة من عدة محاذير ..

المحذور الأول أن معظم ما نتداوله في مدارسنا وفي دراساتنا عن هذه الفترة مكتوب بأيد شيعية أو سبأية، همها الأول التشنيع على بني أمية، وتجسيم أخطائهم وإبراززها، وإخفاء الحسنات أو تفسيرها تفسيرا ملتويا يذهب بما فيها من الخير، ويعرضها كأنها من السيئات!

وعلاج هذا الأمر -كما أشرنا في الفصل السابق- هو اتباع منهج المحدّثين، لتمحيص الروايات المدسوسة والضعيفة والملتوية، للوصول إلى الحقائق الصاقية بقدر ما يتاح للمؤرخ المسلم الملتزم بالحيدة العلمية التي هي أصل من أصول هذا الدين:

(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) [1] .

والمحذور الثاني في المقابل هو محاولة الدفاع عن بني أمية بنفي كل التهم الموجهة إليهم على أساس أنها موجهة من الخصوم السياسيين فهي باطلة لأول وهلة، ولا بد من الاجتهاد في دحضها وإثبات عكسها!

والمحذور في هذا المسلك أنه -أولا- مخالف للمنهج الرباني الذي سبقت الإشارة إليه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) [2] .

ثم هو ثانيا يوشك أن يوقعنا في محذور أشد هو اتهام الإسلام بأن مثله الرفيعة غير قابلة للتطبيق في عالم الواقع، وأننا لا بد أن نحيد عنها لمواجهة الواقع العملي! وهي دعوى ما أيسر أن يتخذها الطغاة سندا لإيقاع المظالم بالناس والتنكيل بالمعارضين الذين يقفون في وجه استبدادهم وظلمهم.

وليس كل تفسير قابلا لأن يكون تبريرا لما حدث بالفعل. فالتفسير مهمته أن يبين لنا كيف حدث الأمر على النحو الذي حدث به، ويبين لنا العوامل التي وجهت الحدث وجهته، سواء أكانت قوى قاهرة أم كانت من أهواء النفوس. أما التبرير فلا يكون صحيحا إلا حين يسقط من اعتباره التأويلات الفاسدة وأهواء النفوس.

ولنضرب مثالا مبسطا يوضح الفرق بين التفسير والتبرير ..

حين نقول إن فلانا كان يكره فلانا لأنه نافسه أو وقف في طريقه وهو يسعى للوصول إلى هدف معين، فلما نجح في الوصول إلى مركز السلطة بطش به، فنحن نفسر الحدث، ونبين العوامل التي وجهته. ولكننا -في التفسير الإسلامي للتاريخ- لا نجعل من هذا التفسير تبريرًا للبطش، لأننا نخالف بهذا التبرير"قيمة"من القيم الإسلامية هي قوله تعالى في كتابه المنزل:

(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [3] .

وقوله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا) [4] .

كما نسقط"قيمة أخرى"من القيم الإسلامية هي أن الإنسان قد ميزه الله عن الحيوان بأن زوده بجهاز نفسي يكبح به أهواءه، ويضبطها بالضوابط الربانية التي سماها الله"حدودًا"وقال عنها:

(تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا) [5] .

(تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا) [6] .

(1) سورة الإسراء: 37.

(2) سورة النساء: 135.

(3) سورة المائدة: 8.

(4) أخرجه مسلم.

(5) سورة البقرة: 229.

(6) سورة البقرة: 187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت