الصفحة 70 من 142

بالتضحية -مؤقتا- ببعض المثل الإسلامية الرفيعة في سبيل الاستقرار .. كان المفروض أن يستأنف المسلمون حياتهم الإسلامية الرفيعة التي مارسوها أيام الخلفاء الراشدين.

ولقد عمل الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على تصحيح الأوضاع، والرجوع بها إلى الصورة المثالية الرفيعة التي كانت عليها زمن الخلفاء الراشدين، فتنازل عن الحكم الذي ورثه ممن سبقه، ورد الأمر للناس ليختاروا إمامهم اختيارا حرا ببيعة حرة لا إكراه فيها ولا قيد .. فاختاره الناس بالإجماع لما رأوا فيه من سمات الخلافة وتجريدهم هم مما كانوا قد استولوا عليه بسلطان الملك، وقال بعضهم لبعض: ذوقوا مغبة تزويجكم لآل الخطاب! أن كان نسب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ينتهي بالمصاهرة إلى آل الخطاب!!

وهكذا استمر"الملك العضوض"في طريقه حائلا دون استمرار عملية التصحيح، وظلت المعاملة العنيفة للمعارضين والمعترضين تجعل جمهرة الناس يقبعون في داخل أنفسهم، ويتركون"الاشتغال بالسياسة"وينصرفون إلى غيره من ألوان النشاط.

وإلى هنا يكون قد وقع من الحكم الأموي انحرافان في عالم السياسة، أيا كانت الأسباب التي استندوا إليها لتبريرهما. الأول هو تغيير النموذج الأعلى لنظام الحكم الإسلامي، الذي تتمثل فيه روح الإسلام كاملة، وهو الخلافة، واستبدال الملك العضوض به، والثاني محاولة إسكات الناس بالقوة عن مراقبة أعمال الحاكم، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وصرفهم بالعنف عن أداء واجبهم الإسلامي في هذا الشأن، الذي تعلموه في فترة الخلافة الراشدة، وهو أن قضية الحكم مهمة مشتركة بين الراعي والرعية، وليست أمرا يستقل به الراعي دون الرعية [1] .

وتبدو جسامة الآثار التي ترتبت على هذين الانحرافين حين نرى العهود التالية تأخذهما كأنهما مبادئ مقررة، مما أدى إلى استقرار لون من الاستبداء السياسي في حياة المسلمين كأنه أصل من أصول الحياة السياسية الإسلامية، فيما عدا الفترات التي يأخذ العدل فيها مجراه بدافع ذاتي من الحاكم، لا بطلب من الأمة، ولا بسعي من جانبها، وتستقيم أحوال الرعية بتطوع نبيل من الجالس في مقعد السلطة. لا أخذًا على أيدي الظالمين، ولا بأطرهم على الحق أطرًا كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- [2] .

وقد كان لهذا الأمر آثار خطيرة في حياة الأمة، إن لم تظهر بوضوح في العهد الأموي، فقد كانت أوضح في العهد العباسي ثم العهد العثماني، وسنتكلم عن هذه الآثار في مكانها في فصول الكتاب [3] .

وثمت انحراف ثالث وقع فيه الأمويون ثم ظلت رقعته تتزايد في العهود التالية .. ذلك هو البحبحة في بيت المال.

لقد كان أبو بكر رضي الله عنه لا يدور في خلده أن يأخذ درهما واحدا من بيت مال المسلمين، حتى جعل له المسلمون راتبا ضيئلا يعيش عليه، حين رأوه صبيحة توليه الأمر ذاهبا إلى السوق فسألوه: إلى أين؟! فقال: أتكسب لأعيش!! فقالوا له إن هذا الأمر لا يصلح مع ذاك! فقال في براءة نفسه الطاهرة الصافية: ومم أعيش؟! فتشاوروا فجعلوا له ذلك الراتب الضئيل.

وكان عمر -رضي الله عنه- يشتد على نفسه وأهله، فلما وفرت له زوجه من قوت كل يوم فضلة صنعت له بها فطيرة في نهاية الأسبوع، قال لها: ما دمت استطعت توفيرها فهي زيادة .. رديها إلى بيت المال!

ولما تبحبح عثمان رضي الله عنه في بعض المال، لا لنفسه ولا لمنفعته الخاصة، فلم يكن في بيته يوم قتل أكثر من دريهمات، وهو الذي كان يملك الألوف ومئات الألوف أنفقها كلها في سبيل الله، وإنما كان برا ببعض ذوي قرباه، ثارت مشاعر الصحابة رضوان الله عليهم وعاتبوه في ذلك .. حتى إذا جاء علي -رضي الله عنه- أعاد سيرة الشيخين في الحرص على أموال المسلمين .. رآه أصحابه يومًا في الكوفة وعليه قطيفة قديمة، فقالوا له: إن الله قد وسع عليك من بيت المال، فقال رضي الله عنه: والله ما أرزؤكم شيئا! إن هي إلا قطيفتي خرجت بها من المدينة!

أما الأمويون فقد أباحوا لأنفسهم الإنفاق من بيت مال المسلمين لشراء الأنصار وتثبيت الملك، متأولين ذلك بأنه من باب تأليف القلوب! وقد جعل الله الإنفاق من الزكاة لتأليف القلوب للإسلام، لا لتأييد البيت الحاكم والتمكين له!

(1) يحتاج هذا الأمر إلى دراسات متخصصة تبين حقيقة"النظرية السياسية الإسلامية"لأن التطبيق الواقعي في حياة المسلمين بعد فترة الخلافة الراشدة قد غشّى كثيرًا على حقيقتها. وينبغي أن تؤخذ أصول النظرية من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وتؤخذ تطبيقاتها الصحيحة من فترة الخلافة الراشدة.

(2) يقول عليه الصلاة والسلام:"والذي نفسي بيده لتأطرنهم على الحق أطرا ولتقصرنهم عليه قصرا"رواه أبو داود والترمذي.

(3) تحدثت عن بعض هذه الآثار في كتاب"واقعنا المعاصر". والحديث هنا في هذا الكتاب لازم كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت