نحن إذن في حاجة"تربوية"إلى دراسة خط الانحراف. ولكن هناك فرقًا واضحًا بين دراسته لاستخلاص العبرة منه، ودراسته للإيحاء بأن الإسلام لم يطبق إلا فترة وجيزة، وأنه -من ثم- نظريات جميلة غير قابلة للتطبيق في عالم الواقع!
هنا حق يراد به حق، وهناك حق يراد به باطل، فضلا عما في الطريقة التي يقدم بها هذا الحق من تهويل وتضخيم وتحريف!
حين نبدأ بالفترة الأموية فسنجد في سياسة الحكم انحرافا عن الصورة المثالية التي طبقت في فترة الخلفاء الراشدين، أبرز معالمها تحول الحكم من الخلافة إلى الملك العضوض كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم يأتي الملك العضوض" [1] .
صحيح أنه لا يوجد نص يحدد شكل الحكم في الدولة الإسلامية، فقد جاء النص على أمرين رئيسيين: الشورى، والحكم بما أنزل الله:
(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [2] .
(وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [3] .
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [4] .
(وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ) [5] .
ولكن لم يرد نص يحدد شكل الحكم: خلافة أم ملك؟ مدى الحياة أم لمدة محددة؟ إلى غير ذلك من التفصيلات الإجرائية التي ترك أمرها لاجتهاد الأمة المسلمة عند التطبيق. ولكن الذي نص عليه حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ووقع في عهد بني أمية بالفعل -هو انتقال الحكم من الخلافة إلى"الملك العضوض"، بما يوحي به التعبير من وقوع المظالم على الناس.
ولا بد من دراسة العوامل التي أدت إلى حدوث هذا التغيير أولا، ثم استقراره في حياة المسلمين بعد ذلك .. ولكن الزعم بأن الإسلام قد انتهى بسبب ذلك التغيير -أو ذلك الانحراف- زعم مخالف للحقيقة، مبالغ فيه كثيرا بقصد أو بغير قصد.
فلننظر أولًا في أسباب حدوثه، ثم لننظر ثانيا في حجم هذا الانحراف على وجه التحديد.
من الواضح أن الفتنة التي أحدثها عبد الله بن سبأ، وانتهت بمقتل عثمان رضي الله عنه، ثم قيام النزاع بين علي ومعاوية، وظهور الخوارج الذين دفعهم تفكيرهم المعوج إلى محاولة قتل أطراف النزاع جميعا، كأنما كان ذلك سيحل المشكلة! (بل كان سيزيدها تعقيدًا!) كل ذلك كان من أسباب التمكين لهذا النظام الذي وصفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه ملك عضوض .. فقد هزت الفتنة وجدان المسلمين هزا عنيفا حتى تمنوا أن ينتهي الصراع على أية صورة، وأن يعود المجتمع المسلم إلى الاستقرار، ولو على حساب بعض المثل الإسلامية الرفيعة، وكان هذا من الأسباب التي دعت فريقا من أجلّة الصحابة رضوان الله عليهم أن يتحاشوا الدخول في الصراع مؤيدين عليا أو معاوية، خشية أن يزيد تدخلهم من حدة الصراع بدلا من أن يحسمه.
ومن جانب آخر كان الفتح الإسلامي -الذي لا مثيل له في سرعته في التاريخ كله- قد أدخل في الإسلام شعوبا بأكملها، وكتلا بشرية لا عداد لها، لم يتح لها بعد فرصة التعمق في الإسلام، أو تلقي التربية الإسلامية المتكاملة الجوانب، التي تجعلها حريصة على مُثُل الإسلام الرفيعة لا تفرط فيها.
هذان العاملان معا: الخوف من اتساع الفتنة والرغبة في إطفائها على أية صورة، وحداثة عهد العدد الكبير من الناس بالإسلام، هما اللذان مكنا للحكم الأموي العضوض. وإلا .. فقد كان المفروض بعد أن تستقر الزوبعة التي أحدثتها الفتنة، والتي جعلت الصحابة رضوان الله عليهم يرضون
(1) رواه أحمد والترمذي.
(2) سورة الشورى: 38.
(3) سورة آل عمران: 159.
(4) سورة المائدة: 44.
(5) سورة المائدة: 49.