الصفحة 68 من 142

ولما كانت أمجاد التاريخ الإسلامي من أشد الأدوات التي تستخدمها الدعوة الإسلامية تأثيرا في وجدان الناس، لأنها تذكرهم بهذا التاريخ العظيم الذي انقطعوا عنه، فتحفزهم إلى محاولة استئنافه من جديد، فمن الطبيعي بالنسبة لأصحاب المخطط -ولجهازه الثقافي بصفة خاصة- أن يحرصوا على تشويه ذلك التاريخ، لعلهم يبطلون مفعوله بالنسبة للدعوة الجديدة. فحين يشوهون صورته على النحو الذي يقومون به لا يكون دافعًا من دوافع الحركة، بل لعلهم إن أمعنوا في تشويهه يحدثون حالة من اليأس إزاء الحركة الجديدة، كأنما يقال لهم: أهذا هو التاريخ الذي تتحدثون عنه وتدعوننا لاستئنافه؟! لقد انتهى الإسلام بعد الخلافة الراشدة، فانفضوا أيديكم من المحاولة، ولنعش في القرن العشرين بأدوات القرن العشرين! ولنأخذ الحضارة الغربية بخيرها وشرها، فلا أمل يرجى في بعث الإسلام من جديد، وقد انتهى منذ أربعة عشر قرنا من الزمان!!

تلك أهدافهم، وهذه وسائلهم ..

ثم يجيء"المؤرخون العرب"فيأخذون سمومهم بلا تحفظ، فرحين مستبشرين أن وقعوا على تلك"الكنوز"التي كشفت الغاشية عن عيونهم، فأبصروا ما كان خافيًا عليهم من حقائق هذا التاريخ!

وقد يغرهم ما تلجأ إليه المدرسة الحديثة من المستشرقين -وعلى رأسها جب، وولفرد كانتول سميت، وجرونيباوم -من مزج السم بالعسل، فيظنونهم مخلصين للحق، نزيهين نزاهة"علمية"! فيأخذون عنهم بلا تحفظ .. يقول قائلهم: إن هؤلاء كتاب منصفون، يبدون إعجابهم بما يرونه في الإسلام مستحقا للإعجاب، فلولا أن المآخذ التي يذكرونها مآخذ حقيقية ما ذكروها! وقد كانت هذه الأمور خافية علينا من قبل لأننا متأثرون بعاطفتنا نحو الإسلام، وينبغي لنا أن نتخذ"الروح العلمية"ونتجرد من العاطفة لمصلحة البحث العلمي ذاته!

أفليس هذا ما قال عنه رب العالمين:

(وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [1] [2] .

أفما كان يجدر بنا بعد هذا البيان الرباني الهادي ألا نأخذ حقائق ديننا عن أعداء هذا الدين؟!

حين نراجع تاريخ هذه الفترة المتطاولة من الزمان فسنجد ولا شك انحرافا تدريجيا عن حقيقة الإسلام. ولكن حجم هذا الانحراف يجسّم عن عمد، ويكبّر حتى يملأ فراغ الصورة، ويصغّر إلى جانبه أو يُخفي ما بقي في دنيا الواقع من معالم الإسلام الأصيلة، لإعطاء هذا الإيحاء المسموم في النهاية: أن الإسلام قد انتهى بنهاية عصر الخلفاء الراشدين (أو حتى قبل ذلك!) فلا فائدة ترجى من محاولة بعثه من جديد ..

وحين نراجع ما كتب عن تاريخ هذه الفترة لتصحيح منهج كتابته، فلن تكون وسيلتنا هي التغطية على خط الانحراف، فذلك مخالف للمنهج الرباني:

( .. وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [3] .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ .. ) [4] .

كلا! لا نلجأ أبدا إلى تزوير التاريخ .. بل إننا في حاجة إلى دراسة خط الانحراف بأمانة كاملة وبتركيز. فهذه هي الأخطاء التي ارتكبها المسلمون في أثناء سيرهم الطويل على درب الإسلام، وقد تراكمت حتى سدت الطريق، وأوشكت في الأخير أن تقضي على هذه الأمة وتمحوها محوا من الوجود. فنحن -في محاولتنا الجديدة لاستئناف السير في الطريق- في حاجة شديدة إلى تبين هذه الأخطاء ودراستها، واستيعاب عبرتها، حتى نتجنبها في محاولتنا الجديدة، لكي لا تتعثر كما تعثرنا من قبل، ولكي ننقذ أنفسنا من البوار حين نعلم أي شيء أصابنا بالبوار.

(1) سورة آل عمران: 72.

(2) في كتاب"المستشرقون والإسلام"بيان لأحوال هذه المدرسة من المستشرقين.

(3) سورة الأنعام: 152.

(4) سورة النساء: 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت