الصفحة 140 من 142

وهم يؤمنون جيدًا بصحة حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أشرنا إليه آنفًا، والذي يخبر فيه -صلى الله عليه وسلم- بالمعركة التي سينتصر فيها المسلمون نصرًا حاسمًا على اليهود، وقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله .. إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود .. وآية إيمانهم بصحته أنهم يكثرون الآن من زراعة شجر الغرقد في بساتينهم لعله يحميهم!

وإيمانهم بصحة الحديث، فضلًا عما خبروه في كل قتال وقع بينهم وبين المسلمين، سواء في وقت النبي -صلى الله عليه وسلم- أو في عام 1948، أو مع الانتفاضة الإسلامية في الفترة الأخيرة .. وفضلًا عن معرفتهم العميقة بهذا الدين التي قال الله عنها في كتابه المنزل (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ) [1] .. كل ذلك جعلهم يجتهدون في محاربة الصحوة -مستعينين بحلفائهم الصليبيين- لعلهم يؤجلون قيامها على أقل تقدير إن لم يستطيعوا أن يقضوا عليها القضاء الكامل، ويجند كل منهما عملاءه في البلاد الإسلامية لحرب الإسلام بكل صنوف الحرب: بالتقتيل والتعذيب والتشريد، وشغل الحركات الإسلامية بقضايا جانبية لتنصرف عن عملها الأساسي في التربية والدعوة، ونثر المغريات أمام الشباب لينسوا ربهم وآخرتهم وينصرفوا عن الدين جملة، ورفع الرايات الكاذبة ليتجمع تحتها الناس بدلًا من تجمعهم تحت الراية الإسلامية .. بالإضافة إلى محاولة سحق العالم الإسلامي حربيًا واقتصاديًا وسياسيًا حتى يظل مشغولاَ بأزماته، مقهورًا لا يلتقط أنفاسه .. وبالإضافة إلى قتل حيوية الشعوب بشغلها بلقمة العيش تلهث وراءها ولا تكاد تحصلها، وقتل قيمها بكبت المتطهرين فيها وإبراز من لا ضمائر لهم من المنافقين والوصوليين والساقطين .. وهذا كله إلى جانب ما تصنعه الصحافة والإذاعة والسينما والتليفزيون والفيديو والشواطئ العارية من إفساد للأخلاق ونشر للتفاهة في محيط الشباب ..

لذلك فالطريق ليس سهلًا أمام الصحوة الإسلامية، والمشوار طويل، والجهد المطلوب باهظ .. ولكن الجائزة هي الجنة ..

هل الصحوة في طورها الحالي على مستوى المسئولية ومستوى الأحداث، عالمة بمهمتها، عاملة بما يجب عليها؟

هل يقدّر لها أن تؤدي دورها المرتقب لإنقاذ الأمة الإسلامية، فضلًا عن دعوة العالم كله إلى المنهج البديل؟ أم يقوم بهذا العمل آخرون لم يخرجوا إلى الوجود بعد؟!

غيب لا يعلمه إلا الله ..

ولكن تظل الدلالة قائمة .. دلالة مولد الصحوة الإسلامية في الوقت الذي تؤذن فيه الجاهلية المعاصرة بالانهيار

وتظل الدلالة قائمة من جهة أخرى: أنه على الرغم من كل الحرب الضارية التي تشنها الكتلة اليهودية الصليبية وعملاؤها في العالم الإسلامي -أو ربما بسبب هذه الحرب ذاتها- تتسع دائرة الصحوة على الدوام، وتضم شبابًا جديدًا كل يوم!

وتظل الدلالة قائمة من جهة ثالثة، أن مزيدًا من المثقفين في أوربا وأمريكا يدخلون كل يوم في دين الله!

ستكون الحرب ضارية ضد الصحوة الإسلامية، وسيسقط ضحايا كثيرون، وسيدخل الألوف والألوف في أتون العذاب .. وفي النهاية ينتصر الإسلام، ويستقبل جولة جديدة ممكنة في الأرض، كما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكما يحذر الذين يفزعهم ذلك الأمر من اليهود والصليبيين!

والذين لا يؤمنون إلا بالمقاييس الحسية، ويقولون: أنى هذا؟! نقول لهم: انظروا إلى الجهاد الأفغاني .. هل كان أحد يتصور -بالمقاييس الحسية- أن هذا الشعب الأعزل يهزم أكبر قوة ضارية في العصر الحديث ويجبرها على الانسحاب من أرضه؟!

يقول"توينبي"في محاضرة له عن"الإسلام والمستقبل"إن الإسلام عرضة لأن يصحو من جديد ويتسلم قيادة الأمم المستضعفة الخاضعة للنفوذ الغربي في الوقت الحاضر (التي يسميها هو"الشعوب البروليتارية) . وإنه قد انتصر من قبل انتصارات حاسمة وأثبت وجوده مرتين في صراعه مع الغرب: مرة في صدر الإسلام حين اكتسح الإمبراطورية الرومانية، ومرة أخرى في الحروب الصليبية حين رد الصليبيين على أعقابهم مدحورين. ثم يقول: إن الإسلام اليوم في غفوة طويلة تشبه غفوة أهل الكهف، ولكن الظروف العالمية يمكن أن توقظه ليتولي القيادة من جديد."

(1) سورة البقرة: 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت