الصفحة 134 من 142

كذلك تركيز هذه الجماعات على مبدأ السمع والطاعة من أجل تنظيم حركتها أكثر من اعتمادها على الشورى كما كان يربي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه. يطلب منهم الطاعة المطلقة ومع ذلك يكثر من مشاورتهم -وهو الذي ينزل عليه الوحي- ليربي منهم رجالًا يصلحون للتصرف في المواقف، ويكونون صفًا ثانيًا من بعده -صلى الله عليه وسلم-.

وللحركة أولويات يجب أن تركز عليها. فنقطة البدء بالنسبة لها هي تصحيح العقيدة من كل ما أصابها من غبش في الماضي، سواء من جراء جهل الأجيال المتأخرة من المسلمين بحقيقة لا إله إلا الله، وانحرافهم عن مقتضياتها بتأثير الصوفية والفكر الإرجائي، أو بسبب ما دسه الأعداء من مفاهيم فاسدة عن الدين لإبعاد الشريعة الربانية عن الحكم وإيهام الناس أن إسلامهم لا يتأثر إذا رضوا بحكم غير حكم الله! فالمهمة الأولى للحركات الإسلامية أن تحدث عند الجماهير وعيًا بأن التشريع بغير ما أنزل الله هو نقض للا إله إلا الله، وأن الرضى بتشريع غير شرع الله هو نقض للا إله إلا الله، يمس العقيدة مباشرة ويخرج الإنسان من دين الله، ليكون هذا الوعي ذاته سياجًا يقي الحركات الإسلامية من اغتيال الطغاة لها مستغلين جهل الجماهير بحقيقة لا إله إلا الله، وموهمين الناس أن الشرعية معهم، وأن المطالبين بتحكيم شريعة الله هم الخارجون على الشرعية!!

كذلك يجب على الحركات الإسلامية أن تجتهد في تربية القاعدة الصلبة الراسخة الإيمان المتخلقة بأخلاق لا إله إلا الله، التي تعطي الناس الصورة الصحيحة لأثر الإيمان في النفوس، والتي تكون هي القدوة التي تقتدي بها الجماهير الراغبة في الإسلام. فبغير هذه القاعدة بصفاتها تلك لن يتقدم العمل الإسلامي كثيرًا بل يتعثر عند منحنيات الطريق وما أكثرها! وما أكثر العقبات القائمة في طريق الدعوة من الداخل والخارج سواء.

وليكن واضحًا للمؤرخ الذي يكتب عن الصحوة، وللمسلم العامل في حقل الدعوة، أن المطلوب من تلك القاعدة ليس أن تمثل الإسلام على أي مستوى كان، فهذا لا يكفي للمواجهة المطلوبة ..

إن الذي تواجهه الدعوة الإسلامية اليوم ليس معركة محلية في بقعة معينة من الأرض، إنما هو الجاهلية العالمية كلها مجتمعة! الصليبية والصهيونية والإلحاد والوثنية، وعملاء هؤلاء جميعًا داخل الوطن الإسلامي. ولم تجتمع الجاهلية كلها وتحتشد لمواجهة الدعوة الإسلامية إلا مرتين اثنتين في التاريخ، مرة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهذه المرة التي نعيشها في الوقت الحاضر، أما فيما بين ذلك فقد كانت المواجهة جزئية لا تشمل أرض الإسلام كلها ولا الجاهلية كلها.

وفي المرة الأولى -في الغربة الأولى للإسلام- تغلبت الدعوة الإسلامية على جاهلية الأرض المحتشدة، لا بالعدد ولا بالقوة، ولكن بالإيمان .. بالتمثيل الصادق لحقيقة الإسلام على أعلى مستوى عرفته الأرض. ونحن الآن في الغربة الثانية التي أخبر عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" [1] وروى الترمذي:"فطوبى للغرباء يصلحون ما أفسد الناس من سنتي".

وفي المعركة الثانية كما في المعركة الأولى يواجه الإسلام دولًا وشعوبًا عندها من القوة المادية أضعاف ما لدى المسلمين. ولكن الذي يقرر الغلبة في النهاية ليس هو القوة المادية -وإن كانت هذه مطلوبة بقدر الطاقة- إنما هو"ما ينفع الناس":

(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) [2] .

والذي ينفع الناس"في الدنيا والآخرة معًا هو المنهج الرباني، الذي تكفل الله فيه بالهداية والطمأنينة والفلاح والبركة والتمكين في الأرض."

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [3] .

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [4] .

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [5] .

(1) أخرجه مسلم.

(2) سورة الرعد: 17.

(3) سورة النور: 55.

(4) سورة الأعراف: 96.

(5) سورة الرعد: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت