الصفحة 133 من 142

ثم تجيء أخطاء العاملين في الحقل الإسلامي -وقد وقعت أخطاء كثيرة بالفعل- فتعطي الأعداء سلاحًا هائلًا لمهاجمة الصحوة: إننا لا نحارب الإسلام! إنما نحارب الانحراف!

في مبدأ الأمر كان الهجوم على الصحوة يتم باسم محاربة الرجعية! فلما بليت اسطوانة الرجعية ولم تعد تقنع أحدًا، بحثوا عن تعلة أخرى، فقالوا: خونة! يتآمرون مع أعداء البلاد! وكانت قمة المضحكات -وشر البلية ما يضحك- اتهامهم بالعمالة لليهود!! بينما المذابح التي تجري فيهم تتم ابتداء لحساب اليهود!! فلما بليت اسطوانة الخيانة ولم تعد تقنع أحدًا، وجدوا صيحة جديدة: إننا لا نحارب الإسلام، وإنما نحارب التطرف، ونحارب الإرهاب!

ولن تنتهي الحرب: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [1] .

ولا شك أن الجماعات الإسلامية العاملة في الحقل الإسلامي قد وقعت في أخطاء في أثناء تحركها -ومَنْ مِنَ البشر لا يخطئ؟! -ولكن الحرب الواقعة عليها ليست بسبب الأخطاء التي وقعت منها، بل لو سلمت من الأخطاء جميعًا لكانت الحرب عليها أشدّ!

وقعت هذا الحادثة"الطريفة"في السجن الحربي بالقاهرة.

كان قد قبض على مجموعة من المنتسبين إلى"الجمعية الشرعية"وهي جماعة لا تشتغل بالسياسة على الإطلاق، لأنهم"ضبطوا"في صلاة العيد يرددون".. الله أكبر ولله الحمد"فظن"الأذكياء"أنهم من جماعة الإخوان المسلمين فاعتقلوهم وأودعوهم السجن الحربي مع الإخوان .. وفي أثناء تعذيبهم اشتد الضرب على أحدهم فصاح من الألم:"والله لست من الإخوان ولا صلة لي بهم!"فقال له المكلف بالتعذيب:"من أين أنت إذن؟"قال: من الجمعية الشرعية. قال:"كلكم مسلمون أولاد ..."واستمر في التعذيب!

إن الذي يحارب في الحقيقة هو الإسلام .. وتتنوع الاتهامات وتبقى التهمة الحقيقية هي الإسلام:

(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [2] .

وموقف المؤرخ المسلم من هذه الأحداث أن يسجل الحقائق بلا تحامل ولا محاباة ..

لا نجامل الجماعات الإسلامية حين تخطئ، فأي مجاملة ستكون على حساب الإسلام. ولا نداري على أخطائها، فكل مدارة على الأخطاء ستكون تضليلًا لمن يأتي بعدنا من الأجيال. وإذا كنا لم نقبل المجاملة والمداراة بالنسبة للأمويين ولا العباسيين ولا العثمانين رغم الحرص على إبراز إيجابيات تلك العهود كلها، فلا يجوز لنا كذلك أن نجامل أو ندارس على أخطاء الجماعات الإسلامية، وبعضها خطير.

ولكن تسجيل الأخطاء لا يجوز أن يكون دافعه التشويه والتشهير، فهذا لا يصدر عن المؤرخ المسلم في أي حال. إنما دافعه استخراج العبرة من الأحداث، لتكون تلك العبرة زادًا لما يستقبل من الطريق، كما كانت من قبل دراستنا لخط الانحراف خلال القرون.

وفي الوقت ذاته لا بد من تسجيل الإيجابيات التي يطمسها الأعداء طمسًا وهم يتحدثون عن هذه الجماعات.

إن لكل جماعة من الجماعات العاملة في الحقل الإسلامي إيجابيات لا شك فيها، وإن وقعت منها أخطاء. والعمل الذي شاركوا فيه جميعًا -كل بقدره- وهو دعوة الأمة لتعود إلى نبضها الطبيعي، وتنبذ التخلف عن حقيقة الإسلام، الذي أوقعها في كل أنواع التخلف الأخرى .. هذا العمل وحده يستحق التسجيل والإشادة، ويكتب لهذه الجماعات عند الله. وهو رصيد الأمل بالنسبة للأمة الإسلامية التي تداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، بعد أن أصبحت -كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم- غثاء كغثاء السيل ..

أما الأخطاء فتُبَيَّن لترشيد الحركة الإسلامية ومعاونتها على الوصول إلى أهدافها ..

وربما كان أشد هذه الأخطاء وضوحًا هو استعجال الطريق، قبل إقامة القاعدة الصلبة التي تحمل البناء، وقلة الوعي الحركي، الذي يحدد كيف تكون الحركة ومتى يحسن هذا الموقف أو ذاك، وقلة الوعي السياسي بمؤامرات الأعداء، مما يسهل على الأعداء"اصطياد"الحركات الإسلامية واستدراجها إلى مواقف تضرها أكثر مما تنفعها.

(1) سورة البقرة: 217.

(2) سورة البروج: 8 - 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت