برزت أوربا الجاهلية حين ضعفت الأمة الإسلامية وتخلفت عن حقيقة الإسلام.
وهنا نقطتان تحتاجان إلى إبراز في ذهن المسلم المعاصر.
إن أوربا أمة جاهلية بالمصطلح القرآني مهما بلغت من التقدم العلمي والقوة الماية، لأنها لا تعبد الله حق عبادته، ولا تطبق المنهج الرباني في واقع حياتها [1] .
وأن قوة أوربا ذات صلة عكسية بقوة الأمة الإسلامية.
إن هناك وهما يسيطر على الأذهان بسبب قوة أوربا الحالية، مفاده -كما أشرت في كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر"- أن أوربا أمة حضارية بذاتها متفوقة بذاتها، عبقرية بذاتها، غلابة بذاتها، وأنها كانت قمينة أن تبرز وتسيطر وتتمكن في الأرض بمزاياها الذاتية بصرف النظر عن قوة الأمة الإسلامية أو ضعفها!
إن هذا الوهم ينشئه في نفس أوربا الغرور الأوربي المشهور .. أما ما ينشئه في نفوس المسلمين المغلوبين على أمرهم فهو الهزيمة الداخلية تجاه الغرب، والانبهار الذي تحدثه الهزيمة الداخلية في النفوس.
وبمراجعة وقائع التاريخ يتبين فساد هذا الوهم ..
فماذا كانت أوربا قبل احتكاكها بالمسلمين؟ وماذا كانت قبل أن تضعف قوة المسلمين وتنقض على العالم الإسلامي وتنهب خيراته؟
إن قوة أوربا الحالية قد نشأت من هذين الأمرين معًا: فمن احتكاكها بالمسلمين اكتسبت الرغبة في الوجود والحياة والحركة والعلم والنهوض، بعد أن ظلت غافية غافلة في ظل الكنيسة بضعة قرون. ولو كانت راقية بذاتها، حضارية بذاتها، عبقرية بذاتها، غلابة بذاتها ما قبلت الدين المزيف الذي قدمه لها بولس ابتداء، ولا استساغته، ولا خضعت لظلم الإقطاع وطغيان الكنيسة عشرة قرون!! ومن ضعف المسلمين - بعد أن تقوت أوربا بما أخذته عنهم من علم وحضارة- بدأت أوربا تستعمر العالم الإسلامي وتنهب خيراته، فتضخمت ثرواتها، واستطاعت بهذه الثروات المنهوبة أن تزداد تمكنا في الأرض، وأن تتقدم في الأبحاث العلمية التي زادتها بدورها قدرة على السيطرة والتمكين ..
وإزالة الوهم الآنف الذكر أمر مهم بالنسبة للمسلم المعاصر، ليخفف من هزيمته الداخلية إزاء أوربا، حين يعرف أن ظروفًا تاريخية معينة هي التي منحتها القوة، وليست القوة صفة نابعة من ذاتها ولا من مزاياها الذاتية، فيسهل عليه أن يتصور أن ظروفا تاريخية أخرى يمكن أن تهبط بمكانة أوربا أو تزيلها، وأنه ليس حتمًا أن تبقى هذه القوة إلى الأبد مسيطرة متمكنة في الأرض!!
ومن جهة أخرى فإن معرفته بأن قوة أوربا جاءت نتيجة ضعف الأمة الإسلامية ينبهه إلى مسئوليته في هذا الأمر، فيحفزه ذلك إلى العمل على إزالة هذا الضعف الطارئ، بإزالة أسبابه التي أدت إليه وهي البعد عن حقيقة الإسلام .. ويتيقن أنه إن عاد إلى القوة بالعودة إلى حقيقة الإسلام فإن شيئًا كثيرًا من طغيان أوربا الحالي يمكن أن يزول، ولينظر فقط إلى البترول 0عصب الحياة في أوربا- لو أن الأمة الإسلامية التي ملكها الله إياه كانت في موضع القوة، فكم كانت تملك لوقف أوربا عند حدها، وإجبارها على التخلي عن طغيانها، ورد ما سلبته من كرامة المسلمين وأموالهم، ووقف العون الذي تقدمه لإسرائيل لتغتال به الوجود الإسلامي!
وتلك كلها حقائق لا يدركها المسلم المعاصر لأن المراجع التي يرجع إليها تزيف له تاريخه، وخاصة الفترة الأخيرة منه، فتغيب عن إدراكه أمور كثيرة مهمة وخطيرة بالنسبة لكيانه كله .. ولذلك يجب إبرازها بقوة عند إعادة كتابة التاريخ ..
ونعود إلى القضية التي نحن بصددها في هذه المرحلة من البحث، وهي بيان"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"كما عبر الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه الذي يحمل هذا العنوان.
غاب النموذج الصحيح من الساحة، فبرز النموذج الفاسد وسيطر وحده على الساحة.
ولنذكر فقط أبرز الشرور التي أحدثها تمكن النموذج الفاسد على نطاق العالم كله:
(1) راجع إن شئت فصل"الجاهلية المعاصرة"في كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر".