الصفحة 118 من 142

والتأثير الذي نشير إليه هنا ليس ناشئًا من أنها -في وضعها الحاضر- تملك شيئًا من التوجيه تؤثر به في الآخرين. إنما هو على العكس من ذلك تأثير سلبي، ناشئ من هذه الحقيقة ذاتها، وهي أنها لا تملك شيئًا من التوجيه تؤثر به في الآخرين!

إن هذه الأمة -كما أشرنا مرارًا من قبل- لم تُخْرَج لتعيش في حدود نفسها فحسب، بل لتكون فائدة ورائدة لكل البشرية، حاملة رسالة رسولها صلى الله عليه وسلم من بعده، المبعوث رحمة للعالمين، ليهدي الناس كافة إلى صراط الله المستقيم:

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [1] .

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [2] .

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [3] .

وكما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، فكذلك أمته التي تحمل رسالته من بعده: تشهد، وتبشر، وتنذر:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [4] .

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [5] .

وحين تستقيم الأمة على دين ربها، وتجاهد في نشر دعوته، تكون بالفعل شاهدة على البشرية، لأنها تكون قد أعطت النموذج الصحيح، وأعطت القدوة، وبلغت وأنذرت .. فمن قصر من البشر بعد ذلك أو نكل عن طريق ربه فهو المسئول عن نفسه، لا يستطيع أن يحاجّ الله يوم القيامة بأن الحق لم يبلغه، أو لم يره مطبقًا في عالم الواقع فيعرف حقيقته.

أما حين تنكل الأمة عن الطريق، فمن يشهد؟ ومن يبشر؟ ومن ينذر؟

من يدل البشرية على طريق الخير؟ من يعطيها النموذج الصحيح فإما أن تهتدي به وإما أن تسقط حجتها أمام الله؟

والذي حدث بالفعل حين نكلت الأمة عن الطريق أن النموذج الصحيح غاب عن الأنظار، فبرز النموذج الفاسد وملأ الساحة، وتمكن في الأرض، وعدا على الأمة الإسلامية ذاتها يريد أن يمحوها من الوجود ..

ولسنا نقول إن وجود النموذج الصحيح في الساحة، وجهاد الأمة الإسلامية لنشر الدعوة كان سيهدي البشرية كلها فيزول الفساد من كل الأرض، فهذا مخالف للمشيئة الربانية ذتها:

(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ .. ) [6] .

ولكن كان ينشأ عن وجود النموذج الصحيح والجهاد لنشره أمراه: تسقط حجة الناس أمام الله يوم القيامة، وينحسر الفساد في الأرض بقدر من الله، فلا يصبح هو السائد في كل الأرض:

(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [7] .

(1) سورة الأعراف: 158.

(2) سورة سبأ: 28.

(3) سورة الأحزاب: 45.

(4) سورة البقرة: 143.

(5) سورة آل عمران: 104.

(6) سورة هود: 118 - 119.

(7) سوة البقرة: 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت