وثار الشمال الأفريقي كله: المغرب وتونس على الاحتلال الفرنسي، وليبيا على الاحتلال الإيطالي.
وثارت مصر والسودان والعراق على الاحتلال البريطاني.
وثارت سوريا على الاحتلال الفرنسي.
وفي كل بقعة من العالم الإسلامي المحتل قامت ثورة تحاول استخلاص البلاد من قبضة العدو الكافر وتردها إلى الإسلام .. وكانت تلك هي الطامة الكبرى على الصليبية الصهيونية لو نجحت تلك الثورات في استرداد الأرض للإسلام ..
ولكن الصليبية الصهيونية كانت أشد مكرًا وأبعد نظرًا، أو قل إن المسلمين -برغم ما بقى لديهم من وجدان ديني- كانوا في غفلة عما يراد لهم، لأنهم لم يكونوا على وعي بحقيقة الإسلام، فسهل خداعهم، وسهل"سرقة الثورة"منهم على يد الأفاقين.
لقد كانت الصليبية الصهيونية قد راقبت بدء"تململ العملاق"كما عبّر لور كاميل في تقريره، فأعدت لذلك عدته! وربّت لهذا الأمر الخطير مجموعة من"الزعماء"! صنعتهم على مهل ليتولوا قيادة الثورة حين تقع، ويحوّلوها عن خطها الإسلامي إلى خط وطني أو قومي لا إسلام فيه! فإنه إن كان لا بد للاستعمار في النهاية أن يرحل، فليسلم البلاد لقوم"مقلمي الأظافر"خيرًا من أن يسلمها للمقاتلين المجاهدين تحت راية الإسلام، الذين لا يمكن أن يقبلوا أنصاف الحلول، ولا الالتقاء مع العدو الكافر في منتصف الطريق! بل إنه لخير له أن يترك البلاد لأولئك الذين رباهم على عينه من أن يحتفظ بها عن طريق عساكره، الذين يثير منظرهم وجدان الناس فيبعثهم على الثورة على المحتل! بينما هؤلاء"الزعماء"ينفذون له من أوامره ما يقدرون عليه، ويحققون من مصالحة ما تيسر لهم -في مقابل إشباع ما فيهم من شهوة الزعامة والسلطة- وهُو وهم آمنون من خطر الإسلام!!
على هذا الضوء نفهم ما فعل سعد زغلول بالثورة المصرية التي كانت تنبع من الأزهر، فحولها إلى"ثورة وطنية"ترفع شعار"الدين لله والوطن للجميع" [1] ! وما فعل بن بيلا بثورة المليون شهيد، فحولها إلى"ثورة اشتراكية"لا دينية، وما فعل سوكارنو في أندونسيا، وبورقيبة في تونس .. وغيرهم وغيرهم من الزعماء"الأبطال"!
هذه الفترة كما قلنا من أحرج فترات التاريخ بالنسبة للعالم الإسلامي، وما كتب عنها في المراجع الحديثة هو أشد ما كتب تضليلًا للمسلم المعاصر، إذ أنه هو ذاته جزء من الغزو الفكري الذي قصد به صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام.
لذلك ينبغي عن إعاة كتاية التاريخ أن يكتب تاريخ هذه الفترة كتابة مفصلة، يشرح فيها بوضوح مؤامرات الصليبية الصهيونية ضد الإسلام، ومدى تغلغل هذه المؤامرات في حياة المسلمين، ودور"الزعماء"المزيفين في تنفيذها بوعي منهم أو بغير وعي. مع التأكيد على حقيقة مهمة في الوقت ذاته: أن هذه المؤامرات كلها -وعلى رأسها الغزو الفكري- ما كانت لتنجح لولا غفلة المسلمين وتخلفهم عن حقيقة الإسلام. وأن الأمة الإسلامية هي المسئول الأول عن كل ما أصابها على يد أعائها، لتفريطها في الأمانة التي حمّلها الله إياها يوم أخرجها إلى الوجو. وأنه لا خلاص لها من كل ما أصابها على يد أعدائها، لتفريطها في الأمانة التي حمّلها الله إياها يوم أخرجها إلى الوجود. وأنه لا خلاص لها من كل ما أصابها إلا بالعودة الصادقة إلى هذا الدين ..
أما القضية الثالثة من قضايا هذه الفترة فهي الخسارة التي خسرها العالم كله من جراء تخلف الأمة الإسلامية عن حقيقة الإسلام.
إن المسلم المعاصر -بتأثير الغزو الفكري، وقبل ذلك بتأثير تحول أمته إلى غثاء كغثاء السيل -يستصغر نفسه، ويستصغر دوره التاريخي، ولا يكاد يدرك أن لهذه الأمة تأثيرًا في وضع البشرية كله، سواء في فترة المد أو في فترة الانحسار.
ولئن كان على استعداد أن يدرك شيئًا من تأثير أمته في أوضاع البشرية في فترة المد -رغم التشويه الذي أصاب الصورة عنده من قراءته للمراجع الغربية، أو ممن ينقلون عنها من المؤرخين العرب -فهو على غير استعداد أن يدرك هذا التأثير في فترة الانحسار، وهو يرى العالم الحيّ يموج بالحركة من حوله، وأمته في ذيل القافلة تلهث من شدة الجهد، تحاول أن تلحق بالركب ولا تكاد!
كيف تكون ذات أثر على العالم وهي مغلوبة على أمرها، لا تملك شيئًا من أمر نفسها، فضلًا عن أن تملك شيئًا من أمر الآخرين؟!
(1) اقرأ إن شئت عن قصة سعد زغلول، وكيف صنعه الإنجليز على أعينهم في صالون نازلي فاضل، في كتاب"واقعنا المعاصر"ص311 - ص324.