وأُوحِي للمسلم المعاصر أن هذا كله كان ضرورة"لإنقاذ"العالم الإسلامي من التخلف، ودفعه في تيار الحضارة! وأنه لم يكن أمام العالم الإسلامي إلا أحد خيارين: أن يستمر في تخلفه في ظل الحكم الإسلامي العثماني، أو أن ينفض عنه التخلف -والحكم الإسلامي العثماني- ويسير في تيار الغرب ليحصل على المدنية وينقذ نفسه من"الدمار"!!
واستُغِلت في ذلك مجموعة من الحقائق، أضيف إليها أضعافها من الأباطيل!
قيل للناس إن الشعب العربي كان مظلومًا في ظل الحكم التركي ولا بد من تحريره من الظلم. ووقوع المظالم على العرب من الحكم التركي كان حقيقة. ولكن علاجها لم يكن التخلص من الإسلام!
وقيل إن المرأة كانت مظلومة ولا بد من تحريرها من الظلم. ووقوع المظالم على المرأة كان حقيقة، ولكن علاجها لم يكن إخراجها من الإسلام!
وقيل إن التخلف أصاب العالم الإسلامي في ظل الحكم العثماني، ولا بد من التخلص من ذلك التخلف. ووقوع التخلف في الفترة الأخيرة من الحكم العثماني كان حقيقة -بصرف النظر عن انفراد الحكم العثماني بتبعته، أم اشتراك الأمة الإسلامية كلها فيه -ولكن علاجه لم يكن في العبودية للغرب والانسلاخ من الإسلام!
وهكذا كثير من"الحقائق"التي بسطت أمام المسلم المعاصر لإقناعه بالتخلي عن الإسلام ..
لقد أخفي عن المسلم المعاصر البديل الثالث، الذي كان قمينًا وحده بإنقاذه .. وهو الإصلاح بالإسلام!
لقد كانت كل أمراض العالم الإسلامي ناشئة من بعده عن حقيقة الإسلام، وممارسته خليطًا من الأوهام والبدع والخرافات باسم الإسلام! وكان العلاج من كل الأمراض هو العودة إلى تلك الحقيقة الغائبة .. حقيقة الإسلام! ولكن هذا الحل بالذات كان أشد ما يُفْزع الصليبية العالمية والصهيونية العالمية. فسعت إلى إقصائه عن أذهان المسلمين إقصاء كاملًا، بل تنفيرهم منه! ووضعتهم أمام هذا الخيار الصعب: إما أن يظلوا مسلمين، فيظلوا متخلفين، وإما أن ينسلخوا من إسلامهم ويتبعوا أوربا فيصبحوا متحضرين متقدمين!
وكان الخيار على هذه الصورة صعبًا أمام المسلمين. ولكن رويدًا رويدًا تكونت داخل الأمة الإسلامية طبقة تُنْعَتُ بأنها"الطبقة المثقفة"، تربّتْ على الغزو الفكري، ونادت بما تريده الصليبية الصهيونية من الانسلاخ من الإسلام واتباع الغرب .. فسهل انزلاق الأمة في تيار التغريب لما أصبح النداء بلغة الأمة، وعلى لسان فريق من أبنائها، أضفيت عليهم البطولات ليصبحوا"مصلحين"! أو ليصبحوا"زعماء الإصلاح" [1] !
وفي ظل التغريب الذي ناى به"زعماء الإصلاح"انزلقت الأمة خطوة خطوة عن ينها، وأخلاقها، وتقاليدها، وانبهمت شخصيتها وتميعت، وصارت ذلك الغثاء الذي أخبر عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم تستطع في الوقت ذاته أن تكتسب إيجابيات الغرب التي أشرنا إليها آنفًا لأنها تمثل"جهدًا"لا بد أن يبذل .. والعبد لا يبذل الجهد إلا بأمر سيده، فإذا ترك لذات نفسه ترهل وتميع، وقعد وانحط .. ولكن"السيد"كان أبعد ما يكون عن أن يوحي لعبده أن يبذل الجهد الحقيقي الذي يكسبه إيجابية تخرجه من تخلفه .. فالتخلف مطلوب بذاته لمصلحة السيد، ليتمتع بالسيطرة وحده، ويقود العبد إلى حيث يريد هو لا حيث يرغب العبد .. وصحيح أن التخلف لم يكن من صنع السيد، بل كان من تفريط الأمة في إسلامها، ولكن السيد استغله لصالح نفسه، وحرص على إبقائه والزيادة فيه، مع إغراء العبد في الوقت ذاته أن يلبس ملابس السيد، ويرطن بلغته، ويرقص مثله ويشرب الخمر ويرتكب الموبقات، ليتوهم أنه أصبح مثل السيد في"كل شيء"! وينزلق أكثر في طريق الانحدار ..
وهذا هو"الجو"الذي أنشئت فيه إسرائيل!
ولا ننسى هنا نقطة هامة في تاريخنا المعاصر، تخفي كثيرًا على المسلم المعاصر الذي يقرأ تاريخه على ضوء"زعماء الإصلاح"! وينبغي أن نركز عليها كثيرًا ونحن نعيد كتابة التاريخ .. فهذه الفترة بالذات من تاريخنا ربما كانت أحوج الفترات جميعًا إلى إعادة كتابتها لشدة ما شوهت بالغزو الفكري، وكتابات المستشرقين وتلاميذهم من"المستغربين".
لقد ثار"المسلمون"على الاحتلال الأجنبي بما بقى في نفوسهم من بقايا الإسلام، وهذا الذي كان لورد كاميل يخشاه حين قال عن الشعب العربي المسلم:"إنه الآن في قبضة أيدينا، ولكنه أخذ يتململ .. فماذا يحدث لنا غدًا إذا استيقظ العملاق"!
ثارت الجزائر على الاحتلال الفرنسي ثورتها المشهورة .."ثورة المليون شهيد".
(1) من إصدارات أحمد أمين كتاب بعنوان"زعماء الإصلاح"تكلم فيه عن مجموعة ممن أفسدوا في العالم الإسلامي، وسماهم زعماء الإصلاح!