الصفحة 115 من 142

وكانت أجرأ أعمالهم في الحلقات الأخيرة عزل السلطان عبد الحميد بعد أن أعياهم أن يحصلوا منه على وعد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، رغم كل"الرشاوي"التي قدموها له -سواء للدولة أو لجيبه الخاس- مما يرضي أطماع أي حاكم يطلب الدنيا ومغرياتها كما كانوا يصورون السلطان عبد الحميد [1] !

ثم كان تنصيب أتاتورك حاكمًا على تركيا، وإلغاء الإسلام علانية وتذبيح المسلمين بعشرات الألوف وإلغاؤ الأذان باللغة العربية، وإلغاء الكتابة بالحروف العربية لقطع الأجيال الحديثة من الأتراك عن تراثهم الإسلامي كله!

ثم كان إقامة الدولة اليهودية في فلسطين بعد أن مهدوا لها هذا التمهيد الطويل كله، وتأييد الصليبية العالمية لاغتصاب قطعة من الوطن الإسلامي -جهرة- وإعطائها لليهود [2] !

أما في مصر فقد تحركت فرنسا بادئ ذي بدء حركتها الصليبية- فيما يعرف باسم الحملة الفرنسية على مصر -عام 1798م بهدف اقتطاع مصر عن الإسلام والعروبة معًا، وإثارة النعرة الفرعونية فيها، لينقطع تأثيرها الإسلامي على العالم الإسلامي كله عن طريق الأزهر، الذي يؤمه الطلاب من كل أرجاء العالم الإسلامي، فيتعلمون فيه اللغة العربية والدين ..

ولما فشلت الحملة الفرنسية في البقاء في مصر بسبب الثورات المتتالية، والمقاومة المسلحة، ومناوشة الإنجليز لها، جاء محمد علي فاحتضنته فرنسا ونفذت عن طريقه كل ما أرادت من قبل تنفيذه [3] .

ثم جاء الإنجليز عام 1882م فاحتلوا مصر ونفذوا المخطط الصليبي الصهيوني بأكمله على خطوات بطيئة أكيدة المفعول على طريقة الإنجليز Slow but Sure، ففتحوا مدارس علمانية أو شبه علمانية ليقضوا بها على التعليم الديني الذي كان سائدًا قبل ذلك، وفتحوا المجال أمام خريجي هذه المدارس ليحتلوا مكانة بارزة في المجتمع، ويحولوه من الداخل عن وجهته الإسلامية، بينما سُدّ الطريق أمام خريجي الأزهر، فلا يحتلون وظائف التوجيه، بل يكادون لا يجدون عملًا على الإطلاق، فيكونون طبقة مهملة منزوية لا تأثير لها في سير الأحداث. ثم جاءوا بصحفيين لبنانيين مارونيين، فأنشأوا دورًا صحفية علمانية مستترة في علمانيتها في بادئ الأمر ثم علنية بعد ذلك، مهمتها توجيه القلوب والأفكار إلى أوروبا و"الحضارة الأوروبية"! وشجعوا"المسرح"ليعرض على الناس ما يخالف تقاليدهم الإسلامية التي يعيشون عليها، ويهيء نفوسهم لتقبل تقاليد غربية عليهم تخرجهم -بالتدريج- من الإسلام، ثم أخرجوا المرأة من بيتها -بدعوى تعليمها وتحريرها -فأفسدوا أخلاقها، وأفسدوا أخلاق الشباب معها. ونحّو الشريعة الإسلامية عن الحكم واستبدلوا بها القوانين الوضعية، وأباحوا الخمر والفاحشة، وأداروا المعاملات المالية بالربا، وأخرجوا"زعماء"في كل اتجاه: في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والفكر و"الفن"يزينون ذلك كله للناس، ويعرضونه على أنه التقدم والرقي .. وباختصار فعلوا كل ما يمكن أن يقطع صلة الشعب المسلم بإسلامه، ويسخّره للغرب كالعبيد [4] .

(1) لم تسوء سمعة أحد من السلاطين كما شوهت سمعة السلطان عبد الحميد، والسبب الحقيقي في الدعاية ضده هو رفضه إعطاء اليهود وطنًا قوميًا لهم في فلسطين.

(2) الواقع أن إسرائيل لم تكن عملًا صهيونيًا بحتًا كما يخيل للإنسان لأول وهلة. فلولا التأييد الصليبي ما قامت ولا استطاعت أن تعيش، فضلًا عن أن تتوسع، وتقتطع في كل حين قطعة جديدة من الوطن الإسلامي. ولكي يدرك الإنسان إن إقامتها في فلسطين الإسلامية كان مؤامرة صليبية -بالإضافة إلى كونها صهيونية- فليرجع إلى تقرير لورد كامبل الذي أصدره سنة 1907م وقال فيه: إن هناك شعبًا واحدًا متصلًا يسكن من المحيط إلى الخليج (يقصد المنطقة العربية من العالم الإسلامي) أرضه متصلة، ودينه واحد، وماضيه مشترك، وآماله مشتركة وهو الآن في قبضة أيدينا ولكنه أخذ يتململ. فماذا يكون حالنا غدًا إذا استيقظ العملاق؟! ثم ذكر الحل: لا بد لنا من إقامة دولة دخيلة تقطع اتصال هذا الشعب، تكون صديقة لنا وعدوة لأهل المنطقة. وتكون بمثابة الشوكة تخز العملاق كلما أراد أن ينهض! وتلك هي إسرائيل! راجع تقرير لورد كامبل من إصدارات الجامعة العربية بالقاهرة ..

(3) راجع إن شئت"دور محمد علي"في فصل"آثار الانحراف"من كتاب"واقعنا المعاصر".

(4) في كتاب"واقعنا المعاصر"تفصيل لما فعله الإنجليز في مصر لمن شاء أن يرجع إليه. وفي كل مكان في العالم الإسلامي كان هناك مخطط مشابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت