واتخذوا لذلك وسائل عدة ..
وركزوا -بادئ ذي بدء- على نقطتين رئيسيتين في العالم الإسلامي، لأسباب واضحة: اسطنبول والقاهرة.
اسطنبول لأنها مركز الخلافة، مركز القوة السياسية والعسكرية؛ والقاهرة لأنها مركز الأزهر، مركز العلم والثقافة الروحية في العالم الإسلامي. واشتد ضغطهم على هاتين النقطتين بالذات، لأنه لا فائدة ترجى من كل مخططاتهم إذا بقى للمسلمين دولة تهيمن على شئونهم ويتوجهون بالولاء السياسي والقلبي لها، ومركز روحي وثقافي يفيئون إليه ويتفقهون فيه في أمر دينهم ..
ودراسة هذه الفترة برؤية إسلامية صحيحة من ألزم اللوازم للمسلم المعاصر، لأن معظم ما كتب له عنها هو ذاته جزء من الغزو الفكري الذي قصد به تحويله عن إسلامه، وعن رؤيته للأمور من زاوية الرصد الإسلامية، ليتقبل ما أريد له من الابتعاد عن الإسلام في الفكر والتصورات والسلوك سواء، وليصبح بعد ذلك مستعبدًا للغرب، يوحي له الغرب ما يشاء فيصدقه، ويوحي إليه ما يشاء فيفعله، وهو كالدابة التي تدور مغمضة العينين في الطاحون وهي تظن أنها تسير في خط مستقيم! وتطحن الغلال للسيد الذي يسخرها، بينما تكتفي هي بما يقدم لها السيد من الأعلاف!
فأما تركيا فقد بدأت فرنسا التحرك الصليبي تجاهها بما دسّته على سليمان"القانوني" [1] من إعفاء رعاياها في الدولة العثمانية من الخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية! ومعاملتهم على أساس القانون الفرنسي فيما عرف باسم"الامتيازات الأجنبية"، وتلتها بقية الدول الأوربية فطلبت نفس الطلب وأجيبت إليه! فأصبح رعايا كل دولة يعاملون بمقتضى قوانين بلادهم، وبتدخل القناصل لحمايتهم، فيعيثون في الأرض فسادًا، ويتخذون وسائل للهو والإفساد وهم آمنون! حتى أصبحوا دولة داخل الدولة، وأصبح لهم من النفوذ ما يحركون به الأمور في الدولة لصالحهم سرًا وعلانية، وصار لليهود والنصارى موضع قدم في الداخل، يطلقون منه سهامهم المسمومة ضد الإسلام.
كما عمدت الصليبية الصهيونية إلى المناوشة الدائمة للدولة حتى لا تجد وقتا للاستقرار. ما تكاد تقضي على تمرد حتى تفاجأ بتمرد في مكان آخر. وتكفلت بالذات روسيا وفرنسا وبريطانيا بإثارة الأقليات الدينية، الأرثوذوكسية والكاثوليكية والبروتستانية -كل فيما يخصه- كما تكلفوا بإثارة دول البلقان ضد الحكم الإسلامي، وإثارة"العرب"ضد"الأتراك".
وكان الهدف واضحًا وهو تفتيت الدولة وتوهين قواها ليتغلبوا عليها ويمزقوا أوصالها، وينفذوا ما عجزوا عن تنفيذه بضعة قرون في وقت قوة الدولة وسطوتها.
وفي نهاية الأمر استطاعوا بطبيعة الحال أن ينفذوا مخططهم كله، وكانت الحلقات الأخيرة من المخطط هي أخبثها وأجرأها وأشدها فاعلية، فقد كانت المناوشات الدائمة قد أنهكت قوى الدولة، فتجرأت عصابات اليهود والنصارى على العمل المكشوف، وتحركت فرق اليهود المتمسلمين (يهود الدونما) لبث دعاوى القومية الطورانية -قومية الأتراك الأولى قبل أن يدخلوا في الإسلام- والدعوة إلى تتريك الدولة. وكان هذا العمل مقصودًا به إثارة العرب بالذات، وتولى إثارتهم -بتأييد بريطانيا وفرنسا- نصارى سوريا ولبنان، فتنادوا بالقومية العربية يخفون تحت ستارها العمل ضد الإسلام، ويستدرجون إليها المستغفلين من المسلمين على أساس أن العروبة صنو الإسلام، وأن العرب هم الذين حملوا لواء الإسلام خلال التاريخ، فلا حرج عليهم أن يكونوا عربًا ومسلمين!
وحين كثر المستغفلون وعلى رأسهم الشريف حسين [2] ، أُعْلِنَت"الثورة العربية الكبرى"يتولاها الشريف حسين في الظاهر، ويحركها"لورنس" [3] في الحقيقة، ويقود جيشها لورد"أللنبي"الذي قال قولته الشهيرة حين دخل القدس عام 1917م:"الآن انتهت الحروب الصليبية"! والذي كتب في مذكراته يقول: لولا معاونة الجيش"العربي"ما استطعنا التغلب على تركيا!!
ومن"طرائف"الحرب الصليبية أن ألمانيا كانت حليفة لتركيا في الحرب العالمية الأولى ضد الحلفاء الغربيين، ولكن لما سقطت القدس في يد الصليبيين الغربيين أقيمت الاحتفالات في ألمانيا ابتهاجًا بذلك"النصر"! حتى اضطرت تركيا إلى تنبيه حليفتها أن هذه الاحتفالات لا تتفق مع روح التحالف القائم بينهما! وعندئذ أصدرت ألمانيا أمرها بعدم الإسراف في إظهار الفرح مراعاة لمشاعر المسلمين [4] !!
(1) هم الذين أطلقوا عليه لقب"القانوني"لإغرائه بمزيد من مخالفة أحكام الشريعة!
(2) قال الشريف حسين في نهاية الأمر حين خرج من العملية كلها صفر اليدين: لقد خدعني الإنجليز!!"فقد كانوا قد منوه -مقابل مساعدتهم ضد الدولة العثمانية- بأن ينصبوه خليفة للمسلمين وحاكمًا على كل العرب!"
(3) عاش لورنس بين العرب وأتقن لهجاتهم حتى صار"منهم"كانوا يدعونه"لورنس العرب!!".
(4) انظر رسالة دكتوراه بعنوان"محمد عاكف وجهوده في الدعوة الإسلامية"لعيسى بوجاآر، جامعة أم القرى عام 1411هـ.