الصفحة 113 من 142

وكان شغلهم الشاغل أن ينالوا البر، لا أن يقفوا يتفرجون على العاملين! أو يتمنوا على الله الأماني وهم قاعدون، لأن الله قال لهم:

(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) [1] .

فلما نسوا هذه المعاني كلها، فما الذي كان ينتظرهم -والوحوش المتربصة حولهم- إلا الهوان والذل والضياع؟!

"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: إنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله مهابتكم من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" [2] .

وهذا الذي كان ..

استغرق غزو العالم الإسلامي ثلاثة قرون أو أكثر حتى تم إخضاعه للنفوذ الصليبي الصهيوني. ولكن الغزو الصليبي الصهيوني جاء هذه المرة بأداة مستحدثة من أدوات الغزو، ليمكّن لنفسه أطول مدة ممكنة، وليحاول القضاء الأخير على الإسلام.

لم يجيء -كما جاءت الجروب الصليبية الأولى- بالسلاح وحده.

فقد كان لويس التاسع الذي أسر في الحروب الصليبية الأولى وقضى فترة في الأسر في سجن المنصورة بمصر حتى افتداه قومه، كان قد نصحهم بألا يعتمدوا على السلاح وحده في قتال المسلمين، إنما يحاولوا أن يهاجموهم في مكمن قوتهم: في عقيدتهم! وعندئذ يتمكنون منهم!

واستمع الصليبيون الجدد إلى النصيحة ونفذوها كاملة، يغريهم ولا شك ما رأوه من مظاهر الخلل في حياة المسلمين، وهم الذين يرقبونهم بدقة منذ وجههم البابا إلى تتبعهم ومطاردتهم خارج الأندلس.

أغراهم ما رأوه في حياة المسلمين من تخلف عن حقيقة الإسلام ..

وإنهم لمن أخبر الناس بهذه الحقيقة:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ) [3] .

يعرفون جيدًا كيف كانت أحوال المسلمين الذين اكتسحوا الإمبراطورية الرومانية من طريقهم، والذين امتد عالمهم في أقل من نصف قرن من المحيط غربًا إلى الهند شرقًا، ثم إلى ما وراء ذلك فيما بعد ..

ويعرفون جيدًا كيف كانت أحوال المسلمين الذين هزموهم في الحروب الصليبية .. وكيف كان صلاح الدين ومن حوله من جند الإسلام ..

ثم يعرفون أخيرًا كيف خيّم الجهل والضعف والتواكل والخرافة مكان العلم والقوة والعزيمة والإيجابية الواقعية ..

جاءوا ومعهم ما صار يطلق عليه اصطلاحًا اسم"الغزو الفكري".. وهدفه اقتلاع الإسلام من قلوب المسلمين، أو كما عرّفه الأب زويمر [4] "صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام".

(1) سورة النساء: 123 - 124.

(2) أخرجه أحمد وأبو داود.

(3) سورة البقرة: 146.

(4) منصّر بروتستنتي عاش في البلاد العربية فترة مديدة، وكان من أشد المنصرين حقدًا على الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت